عاجل
بدون مقاييس بقلم: د. صباح الحكيمترتيب مجموعة مصر في كأس العالم 2026 قبل مواجهة نيوزيلنداوزير العمل يدعو المصريين بالأردن إلى سرعة توفيق أوضاعهم قبل 30 سبتمبرفرنسا تتأهب لموجة حر قياسية بإجراءات استثنائيةتداول 13 الف طن و 727 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمرالأمم المتحدة تحذر من تفاقم الأزمة الصحية في غزة بسبب النزوح ونقص المياهالاحتلال الإسرائيلي يتوغل في ريف درعا الغربي جنوبي سورياإصابة 7 أشخاص في تصادم سيارتين نقل بطريق أسوان الزراعيالقبض على فتاة بالشرقية لانتحال صفة ضابطة شرطة عبر صور مولدة بالذكاء الاصطناعيالتعليم العالي: إنجازات دولية جديدة تعزز مكانة مصر في اليونسكو والإيسيسكوبدون مقاييس بقلم: د. صباح الحكيمترتيب مجموعة مصر في كأس العالم 2026 قبل مواجهة نيوزيلنداوزير العمل يدعو المصريين بالأردن إلى سرعة توفيق أوضاعهم قبل 30 سبتمبرفرنسا تتأهب لموجة حر قياسية بإجراءات استثنائيةتداول 13 الف طن و 727 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمرالأمم المتحدة تحذر من تفاقم الأزمة الصحية في غزة بسبب النزوح ونقص المياهالاحتلال الإسرائيلي يتوغل في ريف درعا الغربي جنوبي سورياإصابة 7 أشخاص في تصادم سيارتين نقل بطريق أسوان الزراعيالقبض على فتاة بالشرقية لانتحال صفة ضابطة شرطة عبر صور مولدة بالذكاء الاصطناعيالتعليم العالي: إنجازات دولية جديدة تعزز مكانة مصر في اليونسكو والإيسيسكو

بدون مقاييس بقلم: د. صباح الحكيم

مقالات , No Comment د. صباح الحكيم

أصبحنا نعيش في زمن اختلطت فيه الأمور إلى درجة يصعب معها معرفة المقياس الحقيقي لأي شيء. وكأن المجتمع كله يسير في طرق متفرقة، بلا قواعد واضحة، ولا معايير ثابتة، ولا خطوط حمراء تحكم الأداء أو السلوك أو حتى المسؤولية. أبحث عن المقياس فلا أجده.

في التعليم لا أعرف ما هو المقياس الحقيقي للنجاح. هل هو الفهم؟ أم الشهادة؟ أم الكورسات الإضافية والملخصات والحفظ المؤقت؟ أصبح الطالب يجري خلف الورقة أكثر مما يجري خلف المعرفة، وتحولت العملية التعليمية في كثير من الأحيان إلى سباق أرقام لا سباق عقول. وفي نهاية المطاف يتخرج ولا يعلم أين يعمل!!

وفي التربية اختلطت المفاهيم حتى أصبح البعض يظن أن الصوت العالي قوة، وأن التجاوز حرية، وأن غياب الاحترام نوع من الجرأة. ضاعت الحدود بين الحق والباطل، وبين الأدب والتطاول، وبين الحرية والفوضى. وبين ولاد الأصول وولاد الشوارع. واختلفت المقاييس في ولاد الناس.

نجي بقى على الإعلام والسوشيال ميديا فحدث ولا حرج. من كان يبحث عن الحقيقة أصبح يبحث عن الترند، ومن كان ينقل الخبر أصبح يصنع الضجيج. بضغطة زر يتحول أي شخص إلى خبير ومحلل ومفكر ومتحدث رسمي في كل شيء، دون علم أو دراسة أو مسؤولية. وأصبح الإعلامي والصحفي ليس له قيمة بين ما يقومون بعمل الترندات.. والكل يعمل صحفي وباحث عن الحقيقة.. والجميع إعلاميون لهم حق الاعتراض وكذلك التفاوض.

وفي الشارع، وفي المرور، يبدو المشهد وكأنه اختبار يومي للأعصاب. قوانين موجودة، ولافتات موجودة، ولكن المقياس الذي يحكم السلوك غائب عند كثيرين. الجميع يريد الوصول أولاً، حتى لو تعطلت مصالح الجميع.. والمفروض ابن الناس اللي مش هو أصلاً ابن ناس يكون مميز في كل الأخطاء حتى ولو على أرواح الناس.

أما الصحة، فالسؤال أكبر من الإجابة. المواطن يدخل رحلة طويلة بين كشف وتحاليل وأشعات وأدوية وقرارات نفقة. وأدوية غير مسجلة. وحالات ليس على السيستم.. وكله تجارة.. الناس في وادٍ ووزير الصحة في وادٍ آخر، حتى أصبح يتساءل: هل الأولوية للعلاج أم للفاتورة؟ وهل المريض أصبح رقماً في حسابات كثيرة لا تنتهي؟ البعض يشعر أن رحلة المرض أصبحت معركة أخرى فوق معركة المرض نفسه. ومعركة الحياة بكل ما فيها!!

وأما في المحاكم والقوانين، يتطلع الناس دائماً إلى العدالة السريعة والمنصفة، لكنهم كثيراً ما يصطدمون بإجراءات طويلة وتعقيدات مرهقة تجعلهم يتساءلون: أين المقياس الذي يوازن بين حق الناس وسرعة حصولهم عليه؟ وأين الناس من التشريعات والقوانين الجديدة.. وهل حقاً القوانين تفصل لأصحابها… ألا يوجد حتى في تشريعات القوانين “مقاييس”.

وللجامعات الخاصة حديث آخر لا يمت للتعليم بصلة، فقد تحول التعليم عند البعض إلى سوق مفتوح. بيزنس من نوع آخر إذا لم يكن غسيل أموال فهو غسيل عقول واستحواذ على درجة من المكانة في المجتمع.. رسوم ترتفع بلا توقف، ووعود براقة، وإعلانات لا تنتهي، بينما يبقى السؤال: أين المقياس التي من خلالها يتم إقامة جامعة؟ هل ستكون الجامعات الخاصة مثلها مثل المدارس الخاصة أيضاً… هل يوجد رقيب أو بمعنى أدق كبير لهذه الليلة؟ ما هي الضمانات التي تضمن أن ما يُدفع يقابله تعليم حقيقي وقيمة حقيقية؟

ولو عدنا للصحة مرة أخرى هل الجامعات الخاصة لكليات الطب سوف تخرج لنا أطباء لفتح عيادات خاصة بدون مقاييس ولا معايير وهل الكشوفات ستكون مثلها كمثل كثير من المواطنين مصدر شكوى يومية. أسعار تتغير، ومواعيد تتأخر، وخدمات تختلف من مكان لآخر، حتى أصبح المواطن البسيط يشعر أنه يدخل متاهة لا يعرف لها بداية ولا نهاية.!!!!

وإذا تحدثنا عن بعض الحرف والمهن، فالشكوى تكاد تكون واحدة. نجار، سباك، كهربائي، مقاول، تاجر، وسيط… المواطن لا يعرف أحياناً كيف يميز بين الأمين وغير الأمين، وبين صاحب الضمير ومن يبحث عن المكسب السريع. غابت المعايير الواضحة، فزاد القلق وفقدت الثقة.

وفي الاقتصاد والبنوك والقروض، يدخل المواطن وهو يبحث عن حل لمشكلة، ثم يخرج أحياناً محملاً بأعباء أكبر. أوراق وشروط ورسوم والتزامات طويلة، بينما يبقى السؤال قائماً: هل يفهم الجميع ما عليهم من حقوق وما عليهم من واجبات؟ وأين المقياس الذي يحقق التوازن بين مصلحة المؤسسة ومصلحة الإنسان؟

حتى السياسة أصبحت حديث كل بيت وكل شارع وكل هاتف. الجميع يتحدث، والجميع يحلل، والجميع يملك إجابات جاهزة لكل الأسئلة. لكن كثرة الكلام ليست دليلاً على المعرفة، والرأي وحده لا يصنع فهماً.

ثم نتوقف أمام مشهد بسيط هز مشاعر الناس جميعاً: فتاة تبيع الشاي في الشارع. البعض انشغل بالقصة، والبعض انشغل بالجدل، لكن السؤال الحقيقي مختلف: ما الذي يدفع إنسانة للنزول إلى الشارع والعمل في ظروف قاسية؟ ألا إذا أنها تبحث عن عمل أليس الاحتياج؟ أليست الرغبة في الحياة الكريمة؟ أليس البحث عن فرصة لم تجدها في مكان آخر؟

القضية ليست في شخص واحد، بل في آلاف القصص التي لا نراها كل يوم.

إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس الخطأ نفسه، بل غياب المقياس الذي يحدد الخطأ. وليس الفساد في موقف هنا أو هناك، بل غياب المعيار الذي يمنع الفساد قبل أن يبدأ. وليس تراجع بعض الخدمات، بل غياب المحاسبة الواضحة التي تجعل الجميع يعرف حدوده وواجباته.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مقاييس واضحة تحكم العمل والتعليم والإعلام والصحة والاقتصاد والخدمات والسلوك العام. نحتاج إلى معايير يعرفها الجميع ويخضع لها الجميع دون استثناء.

لأن الأمم لا تتقدم بالكلام الكثير، وإنما تتقدم عندما يصبح لكل شيء مقياس، ولكل حق طريق، ولكل واجب حساب.

وإلى أن نجد هذه المقاييس، سيظل السؤال معلقاً في الهواء:
أين المقياس… ومن الذي يضعها… ومن الذي يلتزم بها؟؟؟؟