مصطفى عامر يكتب :
لم تعد حماية الأمن القومي المصري تقتصر على تأمين الحدود أو احتواء تداعيات الصراعات المجاورة ، فالتحديات المتشابكة من ليبيا والسودان إلى غزة وسد النهضة والبحر الأحمر تفرض الانتقال من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية تصنع التوازنات وتؤثر في مسار الأحداث .
ليست المشكلة التي تواجه الدولة المصرية اليوم في تعدد الأزمات المحيطة بها فحسب ، بل في أن هذه الأزمات على اختلاف أسبابها ومساراتها، أصبحت تتقاطع عند نقطة واحدة وهى الاضرار بالمصالح المصرية المباشرة، من أمن الحدود وسلامة المياه إلى استقرار الاقتصاد وحماية طرق التجارة ومكانة القاهرة الإقليمية .
الواقع المتأزم
ففي الغرب، لا تزال تداعيات الانقسام الليبي تفرض حساباتها الأمنية والسياسية ، وفي الجنوب تفتح الحرب السودانية الباب أمام احتمالات يصعب التنبؤ بنهاياتها بينما يظل سد النهضة ملفًا استراتيجيًا متصلًا بأمن مصر المائي وهو ازمة وجود وملف لا ينبغى السكوت عليه .
وإلى الشرق، تفرض الحرب الإسرائيلية في غزة وتداعياتها أسئلة تتجاوز حدود القضية الفلسطينية إلى أمن المنطقة ومستقبلها.
أما البحر الأحمر فقد أظهرت اضطرابات الملاحة وهجمات الحوثيين كيف يمكن لصراع يعد بعيدا نسبيًا عن الحدود المصرية أن ينعكس على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي والاقتصاد المصري، من خلال قناة السويس .
هذه ليست ملفات منفصلة يمكن التعامل مع كل منها بمعزل عن الأخرى. إنها ملامح بيئة إقليمية تتداخل فيها حسابات الأمن والمياه والموانئ والتجارة والنفوذ وتتنافس فيها قوى إقليمية ودولية وتوجهات معادية على تشكيل مستقبل المنطقة .
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم النقاش العام ليس فقط: كيف تحمي مصر نفسها من هذه المخاطر؟ بل أيضًا كيف تستعيد القدرة على التأثير في البيئة التي تنتج هذه المخاطر بدلًا من أن تظل منشغلة باحتواء نتائجها .
الجغرافيا قد تفرض الواقع .. لكنها لا تمنح النفوذ تلقائيًا .
منحت الجغرافيا مصر موقعًا استثنائيًا عند ملتقى العالم العربي وأفريقيا والبحر المتوسط والبحر الأحمر، وجعلتها طرفًا يصعب تجاوز مصالحه في عدد من القضايا الإقليمية. لكن الموقع الجغرافي، مهما بلغت أهميته، لا يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي . فذلك يحتاج إلى مبادرات مستمرة وشبكات مصالح متبادلة وقدرة على جمع الأطراف المختلفة حول حلول قابلة للتنفيذ والتدخل لتغيير الواقع غندما يلزم الامر .
والحقيقة أن الدبلوماسية المصرية لم تكن غائبة عن هذه الملفات او بعيدة عن أعينها ، كما أن القاهرة اضطلعت بأدوار في الوساطة بشأن غزة وتحركت في القضايا السودانية والأفريقية، وسعت إلى تعزيز علاقاتها مع دول القرن الأفريقي ، لكن وجود التحرك لا يعني بالضرورة أن نتائجه تتناسب مع حجم المصالح المصرية المعرضة للخطر .
هل يكفي أن تتحرك مصر كلما اقترب الخطر ؟
هناك لاعبون بالمحيط الجغرافى والاقليمى وقوى دولية لا يريدون لهذا البلد ان تستقر ويعززون الاضطرابات المحيطة ويستهدفون شوكة الدولة من خلال صنع الاضطرابات الداخلية والخارجية وتضييق الخناق على القاهرة .
إن صناعة التاريخ و تعزيز مكانة الدول لا تتأتى إلا بالدور الفاعل والمؤثر وإعادة ترتيب الاولويات بما يفرض الواقع لا ينتظر نتائج ما يدبره الآخرون .
لذلك لن تقف مصر تنظر الى المشهد المحيط وتتأثر به وتنتظر فرض إملاءات وواقع جديد فالتاريخ لا يقول ذلك أبدا ، بل يجب ان نبدأ المبادرة ونفرض الارادة ولدينا القدرة على الفعل والتغيير.

