بقلم : مصطفى عامر
لا توجد مهنة تقوم على الثقة بقدر ما تقوم عليها مهنة الطب.. فالمريض لا يسلّم للطبيب أوراقا أو أموالا فحسب ، بل يسلّمه جسده وأحيانا حياته، معتقدا أن من يقف أمامه قد اجتاز سنوات طويلة من الدراسة والتدريب والاختبارات الصارمة .
لكن ماذا يحدث عندما يكتشف المجتمع أن بعض ما كان يظنه واقعا لم يكن سوى خيال متقن الصنع ؟ !
أثارت قضية وليد الغنيمي مؤخرا فى الاذهان هذا السؤال المؤلم . فبحسب ما تداولته وسائل الإعلام وما أعلنته الجهات المختصة ، فإن الرجل الذي ظهر لسنوات في صورة جراح قلب وأستاذ جامعي مرموق ، متهم بانتحال صفات طبية وأكاديمية لا يملكها .وأن عهده بالدراسة توقف عند كلية الالسن ولم يتمم الشهادة الجامعية .
وبينما تتولى جهات التحقيق الفصل في الوقائع وتحديد المسؤوليات، فإن القضية تظل نموذجًا صادمًا لكيف يمكن للصورة الذهنية أن تتغلب أحيانا على آليات التحقق والرقابة .
إن خطورة هذه الواقعة لا تكمن فقط في شخص المتهم أو في طبيعة الاتهامات الموجهة إليه، بل فيما تكشفه أيضا من هشاشة الثقة عندما لا تكون مصحوبة بالتدقيق. فاللقب الكبير، والمظهر المهني، والحديث الواثق، وربما الظهور الإعلامي، كلها عوامل قد تصنع هالة من المصداقية حول شخص ما، حتى قبل التأكد من حقيقة مؤهلاته .
لقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى الطبيب باعتباره رمزا للعلم والانضباط والمسؤولية. ولهذا فإن أي واقعة انتحال في هذا المجال تترك أثرا يتجاوز حدود القضية نفسها، لأنها تصيب شعورا عاما بالأمان والثقة. فالمواطن البسيط قد يتساءل: إذا أمكن لشخص أن يدّعي امتلاك هذه المكانة العلمية، فكيف أطمئن إلى أن من أعالج لديه مؤهل بالفعل ؟
من هنا تصبح القضية أكبر من مجرد مخالفة قانونية أو واقعة تزوير محتملة إنها دعوة لمراجعة منظومة التحقق من المؤهلات المهنية، وتعزيز قواعد الشفافية، وتسهيل وصول المواطنين إلى المعلومات التي تمكنهم من التأكد من هوية ومؤهلات من يقدم لهم الخدمات الطبية.
.. ومع ذلك، فإن الجانب المشرق في مثل هذه الوقائع هو أنه مهما طال زمن التجاوزات . فالحقيقة قد تتأخر، لكنها تظل قادرة على الظهور.
إن الطب الحقيقي لا يُصنع بالألقاب ولا بالادعاءات، وإنما بالعلم والدراسة والخبرة والالتزام الأخلاقي. وبين واقع المهنة النبيل وخيال المنتحلين الذين يحاولون ارتداء ثوبها، يبقى الفرق شاسعا كالفارق بين من ينقذ الحياة ومن يكتفي بتمثيل دور المنقذ.
ولهذا فإن الدرس الأهم فى هذه القضية هو أن الثقة مطلوبة لكنها لا تغني أبدًا عن التحقق ،خاصة عندما تصبح صحة الإنسان وحياته على المحك .



