منذ تأسيسها في عام 1945، كان يُفترض أن تكون جامعة الدول العربية البيت الحاضن لقضايا العرب، والساحة التي تُوَحِّد المواقف، وتجمع الشتات، وتقف سدًا منيعًا في وجه أي تهديد يطال الأمة.
لكن الواقع كان – ولا يزال – عكس ذلك تمامًا. فالجامعة التي وُلدت بأحلام الوحدة، باتت اليوم مجرد مبنى ضخم، يُرفع فيه علم، وتُعقد فيه اجتماعات، وتُصدر منه بيانات “القلق” و”الاستنكار” و”الدعوة لضبط النفس”، وكأنها آلة بيروقراطية عتيقة لا علاقة لها بالشارع العربي ولا بنزيف القضايا المتكررة.
لنبدأ بأقرب الأمثلة، قضية فلسطين. القلب النابض للعرب، والجرح المفتوح منذ أكثر من 75 عامًا. أين موقف الجامعة؟ ماذا فعلت حين سُفكت دماء الأطفال، وقُصفت غزة، وانتهكت المقدسات؟ هل اكتفت ببيان؟ أم بزيارة خجولة؟ أم بحملة تبرعات؟ حتى هذه، لم نعد نراها. وكأن القضية الفلسطينية قضية داخلية لدولة أجنبية، لا شأن للعرب بها.
ويقال كثيرًا: “المشكلة في من يتولى رئاسة الجامعة”. لكن الحقيقة أن الخلل ليس في شخص الأمين العام، سواء كان مصريًا أو سعوديًا أو حتى لو جاء من المريخ، بل في الهيكل نفسه، في العقلية التي تدير المؤسسة، في افتقارها لأدوات الضغط، ولجرأة الموقف، ولإرادة الفعل.
حتى من يقترح نقل مقر الجامعة من القاهرة إلى الرياض، يظن أن المشكلة في الجغرافيا، بينما المشكلة الحقيقية في الجينات السياسية للجامعة، في أنها تحوّلت إلى مظلة للأنظمة لا للشعوب، وإلى أرشيف للقرارات غير المفعّلة.
انظروا إلى أزمات العرب المتلاحقة: العراق يُدمر، سوريا تُنهك، لبنان يغرق، اليمن يشتعل، السودان ينقسم، ليبيا تنهار، وفلسطين تُذبح… وفي كل ذلك، لا وجود فعلي للجامعة إلا في صور الاجتماعات، وأخبار “القلق العربي”، وكأنها قناة أخبار لا جهة فاعلة.
متى اجتمع العرب فعليًا على موقف حاسم؟ هل في حرب؟ أم في أزمة؟ أم في تحرك دبلوماسي جاد؟ الجواب: لا شيء. كل ما نراه هو تمثيل سياسي بلا تأثير، وصوت لا يصل، وحضور لا يُحسب.
في النهاية، ومن دون مجاملة أو تجميل، نقولها بصراحة:
رجاءً، لا تُعطوا جامعة الدول العربية أكبر من حجمها… فهي ببساطة مجرد اسم دون فِعل، ومؤسسة لا تليق بثقل وهموم أمة



