بالرغم من المجهود الجبار الذي يقوم به الوزير ويبذله، ليلًا ونهارًا، وبالرغم من الكم الهائل من الآليات التي تُعلن الدولة عن توفيرها لتحسين المنظومة الصحية… ورغم ملايين الجنيهات التي تُنفق على الندوات والمؤتمرات والبروتوكولات والخطط والاستراتيجيات… إلا أن الحقيقة الصادمة ما زالت تقف عارية أمام الجميع:
عملية التنفيذ غائبة… والتنظيم في أدنى مستوياته… والناس وحدها تدفع الثمن.
فالقطاع الطبي – كما يعرف الجميع – لا ينام. الأمراض لا تُجامل أحدًا، والحوادث لا تنتظر توقيع بروتوكول جديد. ولكن يبدو أن الإدارة ما زالت تتعامل وكأن الأمور يمكن إدارتها بـ”الحب” و”المجاملات” و”حسن النية”… وليس بالعلم والانضباط والرقابة والمحاسبة.
وبعد نجاح مؤتمر السكان العالمي، انتظر المواطنون تحسّنًا ملموسًا، خطوات عملية، تغييرًا حقيقيًا. لكن الناس كل يوم تستيقظ على واقع يصفعها… واقع يقول إن المواطن يسمع عن خدمة متقدمة في الإعلام، لكنه يصطدم بخدمة غير موجودة على الأرض.
خلال ثلاثة أيام فقط… مآسٍ تكفي عامًا..
- استغاثات لإنقاذ مريضة بالكنسر في معهد الأورام…
- مريض كسر عظام في المنيرة ينتظر بلا رعاية…
- مريض مناعة يتنقّل بين المنيرة وأحمد ماهر والدمرداش حتى ينتهي في معهد ناصر بعد رحلة عذاب…
- شاب من العياط يُفارق الحياة بعد حادث لأنه لم يجد رعاية عاجلة…
- وغيرها كثير… وكثير… وما خفي أعظم. وكثير من الشاكاوي الذي يقوم بحلها مكتب د. حسام عبد الغفار من خلال “صوتك وصلنا الذي لايهدأ ولا ينام
وهذه ليست “حالات فردية”. هذه مؤشرات انهيار حقيقي في إدارة التشغيل اليومي للمستشفيات.
والحق يُقال: نعم، هناك تغيّر. نعم، هناك نشاط. نعم، هناك بنية أساسية تتحسن، ومستشفيات تُبنى، وتجهيزات تُحدّث.
لكن القسم الذي يدير التنفيذ، الذي يمسك بزمام العمل الحقيقي على الأرض… ما زال يعمل بـ”كيفه”.
وكأن المنظومة ملك يمينه، وليست خدمة عامة يمولها الشعب.
إلى متى سنظل ندفع فاتورة سوء الإدارة؟
بعد افتتاح المتحف الكبير ووضع مصر على خريطة العالم…
بعد ما أصبحت مصر تنافس دولًا كبرى في البنية التحتية…
بعد إدخال الذكاء الاصطناعي وكل التكنولوجيا الحديثة…
بعد ما قطعت الدولة شوطًا كبيرًا في البناء والتطوير…
هل يُعقل أنه في 2025 ما زلنا نتساءل:
لماذا يموت الناس بسبب “عدم وجود رعاية”؟
لماذا المريض يتعذّب في رحلة بين مستشفى وآخر؟
لماذا يبقى العامل الإنساني في التعامل مع المرضى شبه غائب؟
لماذا نمتلك الإمكانيات… ولا نمتلك الإدارة؟
هل المشكلة في الإدارة؟
هل في الإمكانيات البشرية؟
هل في التمويل؟
أم في غياب المحاسبة والرقابة الفعلية؟.
والسؤال الذي يطرح نفسة
هل الرئيس السيسي لابد انز يتدخل في كل حاجة لكي تنفذ بنجاح رغم كل مسؤليات ؟
إلى متى ستظل كل مشكلة تنتظر تدخّل الرئيس شخصيًا؟
كيف لمنظومة بهذا الحجم أن تعتمد في حلولها على قمة الهرم بدلًا من أن تعمل هي من الأساس؟
كيف نبني دولة حديثة بينما بعض العقول ما زالت تدار بفكر عقيم، قائم على العلاقات والاختيارات الخاطئة وتجاهل الواقع؟
لكِ الله يا مصر… ولكم الله يا شعبها
شعب صبور، يستحمل فوق طاقته، ومع ذلك ما زال يتمنى الإصلاح… ويؤمن أن التغيير ممكن.
لكن الحقيقة المؤلمة أن التغيير لن يحدث ما لم تُصلَح إدارة التنفيذ، ويُفتح ملف الرقابة، ويُحاسَب المقصر – أيًا كان.فلا قيمة لبنية تحتية متطورة دون إدارة قوية.
ولا قيمة لبروتوكولات عالمية إذا كان المريض يموت على باب المستشفى.
ولا قيمة لمؤتمرات ضخمة بينما حياة الناس رهينة لموظف أو طبيب أو مسؤول يقرر “مزاجه” كيف تسير الأمور.
والصمت لم يعُد مقبولًا



