كان المصريون على موعد مع “فن جديد” من فنون الصحافة، خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً خلال الفترة التى تولَّى أمرَها الأستاذان الكبيران “مكرم ” و “كرم”، يمكن تسميته: بـ”الصحافة الاستخصائية”، بالخاء وليس القاف!!
و”الصحافة الاستخصائية”، هى الصحافة التى لا تقول شيئاً، ولا تكشف معلومة، ولا تطرح رأياً، ولا تقدم أفكاراً أو حلولاً، بل تمارس خضوعاً وانبطاحاً..”الصحافة الاستخصائية”، هى صحافة الأقلام المبتورة، والأصابع المرتعشة، والضمائر الغائبة، وأحياناً الميتة، والكتابات المائعة سابقة التجهيز، والمقالات الضالة، والآراء المُضلة.
” الصحافة الاستخصائية”.. هى صحافة منزوعة القيمة، وخالية الدسم، تتشابه عناوينها، وتتقاطع موضوعاتها، وتتقارب ملفاتها ومقالاتها ومعالجاتها. “الصحافة الاستخصائية”.. تكره الحق، وتُنفِّرُ منه، وتحب الباطل، وتُروِّجُ له، وتنشرُ الكذب والزيف، ولا تنحاز للرأى العام، ولا تحترمه، ولا تقدره، ولا تتعاطف معه.
“الصحافة الاستخصائية”.. هى الصحافة التى تدفن رأسها فى الرمال كالنعام، وتفشل فى مواجهة التحديات والصعاب، وتخشى أن تكون صاحبة موقف وقت الأزمات.
“الصحافة الاستخصائية”.. هى الصحافة التى تهدم ولا تبنى، ولا تبحث إلا عن مصالح القائمين علي أمرها.. هى باختصار.. صحافة رخيصة، يُعرض عنها الجمهور، ولا يترقب صدورها، ولا يحرص على اقتنائها.”الصحافة الاستخصائية”.. هى الصحافة التى ترفض كلمة الحق، وتطارد قائلها، إما تجريساً وتشويهاً، أو قطعاً لرزقه وكسراً لقلمه إلى الأبد. “الصحافة الاستخصائية”.. صحافة عاجزة، فاشلة، تحرقها الشمس، قبل أن يتم إعادتها كمرتجعات، وبيعها بأثمان بخسة، لاستخدامها فى أغراض أخرى غير الذى أُنتجتْ من أجله!
إن الحال التى آلت إليها الصحافة المصرية، فى سنواتها الأخيرة، هى حالٌ ميئوسٌ منها، وأشبه بحال المريض الموضوع على أجهزة التنفس الصناعى، تمهيداً لإعلان وفاته رسمياً، فلا يؤمل شفاؤه، ولا يُرتجى تعافيه. ويبدو ذلك فى عدد الصحف التى تمَّ إغلاقها بالضبة والمفتاح وتشريد العاملين بها، أو التضييق على الصحف التى لا تزال على قيد الحياة، أو التفكير فى دمجها..
يُخطئ من يظنُّ أن الأوطان تنهض بخنق الحريات، وإغلاق منابر الرأى، ووصم كل صاحب رأى معارض بالخيانة والعمالة، فقد يكون العكس صحيحاً، فالأوطان المتقدمة حقاً هى التى يتنسم أبناؤها نسائم الحرية، ولا يخافون من البوح برأى أو بكلمة.
إن النفق الذى دخلته الصحافة المصرية، نفقٌ مُظلم، لن تبرحه فى القريب العاجل، لا سيما أن القائمين على مقاليد أمورها، هم من يتصدرون الدفاع عن هذا الوضع البائس، ويُقسمون حانثين، أنه أزهى عصورها. فيا أيتها الصحافة المصرية، سلاماً عليكِ فى مرقدك، وطيَّبَ الله ثراكِ، ورحمة الله على الأساتذة الأوائل والرموز الكبار الذين رحلوا قبل أن يعاصروا الصحافة فى عهدها “الاستخصائى” تحت رعاية حصرية لـ”مكرم” و “كرم”!
الصحافة “الاستخصائية”! …بقلم-مختار محمود
مقالات , 11 سبتمبر, 2019, No Comment
