حادثة مأساوية جديدة، تضاف إلى سجل طويل من الإهمال واللامبالاة، لكنها هذه المرة أبكت الحجر قبل البشر. 19 فتاة في عمر الزهور، خرجن من بيوتهن الفقيرة بحثاً عن لقمة عيش بعرق الجبين، بأجر لا يتجاوز 130 جنيهًا كل يوم، بحثاً عن شرف العمل وكرامة اليد النظيفة… فعدن إلى بيوتهن محمولات في أكفان بيضاء، بفعل جريمة مكتملة الأركان عنوانها: “الإهمال المسؤول”.
على الطريق الدائري الأوسط في محافظة المنوفية، اصطدمت آمال الفتيات وحياتهن بشاحنة نقل مجنونة، تقودها الفوضى، ويشرف عليها نظام مهترئ يقتل بصمت. أين كان المرور؟ وأين كانت الرقابة؟ ومن يحاسب سائقي سيارات النقل الثقيلة الذين يحولون الطرق إلى ساحات موت؟
لا مفر من المحاسبة
إن الحادث ليس قضاءً وقدرًا كما يروّج المسؤولون عند كل مصيبة. بل هو نتيجة مباشرة لفساد منظومة الطرق، وسوء التخطيط، وغياب الرقابة، وتراخي المحافظ في تنفيذ إجراءات السلامة، رغم عشرات النداءات والشكاوى المتكررة من الأهالي.
فتيات يعملن بأجر زهيد في ظروف غير آدمية، وينقلن في سيارات لا تصلح للاستخدام الآدمي، دون رقابة أو تنظيم، في طرق غير مؤهلة، بلا إنارة كافية، ولا علامات تحذيرية، ولا رقابة مرورية حقيقية… كل هذا ليس صدفة، بل جريمة جماعية بشهود كثر وضمائر ميتة.
إلى متى السكوت؟
إلى متى نصحو كل يوم على مأساة جديدة، ثم نُعيد الجملة المحفوظة: “التحقيقات جارية”؟!
إلى متى نسمح لمسؤولي النقل والطرق والمحليات أن يمروا من فوق جثث أبنائنا وبناتنا دون حساب؟
أين المحافظ من هذه الكارثة؟
أين وزير النقل؟
أين أجهزة المرور؟
وأين مجلس النواب الذي يدّعي تمثيل الشعب؟
صرخة لكل مسؤول لا يتحرك إلا بعد الكارثة:
هؤلاء الفتيات لم يكنّ في رحلة سياحية، بل في رحلة عمل شريف، يسعين لإعالة أسرهن. ماتت أحلامهن تحت عجلات الإهمال والفساد، بينما ينعم أبناء المسؤولين في مدارس أجنبية، وسيارات مصفحة، وشوارع لا تمر بها حتى ذبابة.
نطالب بفتح تحقيق عاجل وشفاف، وإقالة كل مسؤول قصّر، من المحافظ، إلى رؤساء الوحدات، إلى مسؤولي المرور والرقابة على الطرق.
نطالب بتعويضات عادلة لأهالي الضحايا، وتوفير تأمينات اجتماعية للعاملات الفقيرات، وتنظيم عملية النقل لهن بوسائل آدمية وآمنة.
ونطالب الإعلام المصري بعدم طمس الحقيقة أو تزيينها.. فالكارثة ليست خبرًا عابرًا، بل جريمة وطنية تستحق محاكمة علنية.
–

