كتبت/ إيناس أبوالفضل
تحل في الثامن من يونيو ذكرى رحيل الفنان الكبير نجيب الريحاني، أحد أبرز رواد المسرح العربي وصاحب البصمة الأهم في تاريخ الكوميديا المصرية، والذي استطاع أن يؤسس مدرسة فنية متفردة جمعت بين السخرية الهادفة والنقد الاجتماعي، ليبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة الفن العربي رغم مرور عقود على رحيله.
لم يكن الريحاني مجرد ممثل يبحث عن النجومية، بل كان فنانًا مؤمنًا برسالة المسرح ودوره في توعية المجتمع، حتى إنه رفض الابتعاد عن خشبة المسرح رغم معاناته الصحية. وعندما نصحه الأطباء بالتوقف عن العمل لفترة حفاظًا على صحته، أكد أن الموت فوق المسرح أحب إليه من الابتعاد عن الفن الذي عاش من أجله.
وعُرف الريحاني بحرصه على نجاح فرقته المسرحية بالكامل، حيث كان يؤمن بأن العمل الفني الحقيقي يقوم على الجماعة وليس على النجم الواحد، كما كان يفضل تقديم أعمال متقنة تحترم عقل الجمهور على حساب كثرة الإنتاج أو المكاسب المادية.
وُلد نجيب الريحاني عام 1889 في حي باب الشعرية بالقاهرة لأسرة ذات أصول عراقية، وتلقى تعليمه في مدرسة الفرير، حيث اكتشف أساتذته موهبته في الإلقاء والتمثيل مبكرًا. وبعد تخرجه عمل موظفًا في البنك الزراعي، لكنه سرعان ما ترك الوظيفة لينطلق في رحلة طويلة مع الفن والمسرح.
وخلال مسيرته الفنية، قدم الريحاني عشرات الأعمال المسرحية الناجحة، إلا أن شخصية “كشكش بيه” ظلت الأشهر في تاريخه، وأصبحت علامة مميزة ارتبطت باسمه لعقود طويلة، بعدما نجح في تجسيدها بأسلوب كوميدي فريد جعلها واحدة من أشهر الشخصيات في تاريخ المسرح المصري.
كما شكّل تعاون الريحاني مع بديع خيري وسيد درويش محطة فارقة في تاريخ المسرح المصري، حيث قدم الثلاثي أعمالًا خالدة جمعت بين الفن الراقي والرسائل الوطنية والاجتماعية التي لاقت صدى واسعًا لدى الجمهور.
وامتدت نجاحاته إلى السينما، حيث شارك في عدد من الأفلام التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ الشاشة المصرية، من أبرزها سلامة في خير وغزل البنات، اللذان رسخا مكانته كأحد أهم نجوم الفن في القرن العشرين.
ولم تقتصر إسهامات الريحاني على الجانب الفني فقط، بل عُرف بمواقفه الوطنية المناهضة للاستعمار والظلم، حيث استخدم المسرح والكوميديا كوسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع وهموم المواطنين، ما جعله يحظى باحترام شخصيات وطنية بارزة وجمهور واسع داخل مصر وخارجها.
وفي الثامن من يونيو عام 1949، رحل نجيب الريحاني عن عالمنا بعد رحلة استثنائية من العطاء والإبداع، لكنه ترك إرثًا فنيًا خالدًا ما زال يلهم الأجيال الجديدة من الفنانين، ويؤكد مكانته كأحد أعظم رواد المسرح والكوميديا في تاريخ الفن العربي.



