تحدث بصوت خفيض بينه وبين نفسه قائلًا: هل حب الأبناء لأمهاتهم أكثر بدافع الفطرة أما أنه مكتسب؟ وهل سيظل الأب مصدر الإمداد المادي فقط؟ أم أن العلاقة ستتطور بينه وبين أبنائه مع تقدم العمر ونضج العقل ووجود المشكلات التي تعجز الأمهات عن حلها؟ قطع حبل تساؤلاته زوجته مستنكرة فعلم أن صوته كان مرتفعًا من حيث أراده منخفضًا وقالت: تستكثر علينا حب الأبناء لأمهاتهم لو جربت ما جربنا وعشت ما عشنا ربما لما تجرؤ أن تسأل حتى ولو كان بينك وبين نفسك. عشنا آلام الحمل وعذاب الولادة وشقاء الرضاعة. تكّون ابنى جنينًا فكنتُ أراه بعين قلبي وأتابع تكوينه بحسي فلما أن كبر بين أحشائي وتحرك استمعت بحركته أحدثه فيحدثني رغم أنه لا ينطق، أداعبه فيبتسم ويضحك رغم أنني لا أراه، آكل لأجله أشهى المأكولات فيستطعمها ويشكرني برغم انعدام المذاق، أتلمسه فيسعد بيدي وأقبل قدمه برغم أنه مازال في بطني وبين أحشائي. عشقته دون أن أراه، تعلق قلبي برؤياه. فلما أن جاء وقت الولادة كان اعتقاد الفراق أقرب إليّ من أمل البقاء. تسلحت بالإيمان وارتديت حلى الثقة واليقين وغالبت الخوف وحاربت اليأس ونازعت سكرات الموت حتى خرج من جسم الميت حي فلما سمعت صوت بكاء الصبي أفرح وأضحك. يزدحم عندي شدة الألم مع فرحة النجاة، يتصارع عندي رغبة الرؤية مع شدة المعاناة، فلما وضع فوق صدري وامتزجت برودة جسده بسخونة جسدي شعرت أنه خرج من رحمي ليدخل إلى جسدي، فلما أن زاد الاحتكاك شعرت أنه تمركز في قلبي فكنت أنظر إليه وهو يحاول التقام ثديي فلا يستطيع، أساعده فلا يستجيب، أنظر إليه وأنا إلى الحزن أقرب منه إلي الفرح يبكى فيرفرف قلبي يحاول ويحاول إلى أن ينجح في التعرف على مصدر غذائه وبقائه، حينها لم أستطع منع البكاء فرحًا لأنه علم طريق الحياة، ويستمر الحال فإذا وضعته فوق ركبتي ليحصل على الرضاعة تقع عيناه في عيناي وتقترب أنفاسه من أنفاسي فيتواجد بيننا الحوار دونما حوار والكلام من غير كلام. ثم نظرت إلي زوجها سعيدة مبتسمة وقالت: حب الآباء والأمهات للأبناء فطرة. ولذلك لن تجد في القرآن أمر سماوي يحث الآباء والأمهات على حسن معاملة الأبناء لأن المعاملة الحسنة ستفرضها الفطرة في حين تجد العكس كثير. فنظر إليها متأملًا عمق كلامها وقال: ولكنك تحاولين مراراً وتكراراً أن تستميليهم إليك أكثر. فقالت مبتسمة ضاحكة: أو لستَ كنت أقرب إلى أمك من أبيك؟ فقال متهتهًا: نعم فخرجت الضحكة من أحشائها وارتفع صوتها لشعورها بهزيمته أمام حبه لأمه ثم قالت: هل حبك لأمك نتيجة استمالت أمك لك أم نتيجة قسوة أبيك عليك؟ فقال مبتهجًا بعد قليل من التفكير: كانت أمي مصدر الحنان وأبي مصدر الرعاية. كانت أمي مصدر التجربة وأبي مصدر الخبرة. كانت أمي مصدر الوقاية وأبي مصدر الحماية. كانت أمي مصدر الرجاء وأبي مصدر الخوف. ثم نظر إليها ليراها تفتح لها ذراعيها ليلقي بنفسه في حضنها ويستمع إلى دقات قلبها ويتنهد من أعماق الأعماق فتضمه بشدة وتقول له كما كان أبيك مصدر الرعاية والخبرة والحماية لك فأنت كذلك لنا غير أننا نخاف منك خوف الرهبة الممزوج بالحب. قبل يداها ثم قرأ قوله تعالى: «رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا».
بالحوار نرتقي!! .. بقلم جمعة البسيوني
مقالات , 8 مايو, 2019, No Comment

