الريموت كنترول هو أحد الآلات ذاتية الحركة، ناتج عن الذكاء الاصطناعي يستطيع به الإنسان التحكم في الآلة عن بعد. وكذلك الأمر هناك بعض البيوت يعمل فيها الآباء والأمهات على أن يكونوا ريموت كنترول لأبنائهم فلا حركة ولا سكون، لا جلوس ولا قيام، لا أخذ ولا عطاء، لا ذهاب ولا إياب بدون رأي الآباء والأمهات. مع الأيام يتحول الأبناء إلي دمية في أيدي غيرهم هذا الأمر قد يكون لائق إلي حدٍ ما في طفولة الأبناء لكى تتكون لديهم البنية المعلوماتية كما يسميها علماء النفس التربوي ولكن يجب إعطاء الأبناء مساحة كافية من الحرية أثناء تكوين هذه البنية المعلوماتية حتى يجرب فيها الأبناء الصح والخطأ، الصواب والعقاب، الصالح والطالح. مع الأخذ في الاعتبار أن التعلم يتم من خلال الخطأ؛ لأنه بالأخطاء يصبح للأبناء تجربة شخصية، الأمر الذي يترتب عليه خبرة شخصية تجعل الأبناء يتسموا بالاستقلالية والاعتماد على النفس والقدرة على حل مشاكلهم دونما وصاية من الآباء والأمهات وحينما يحدث العكس فقد تحدث طامة كبرى؛ لذا يقال “عكسنا فانتكسنا”.
إليك هذا النموذج: امرأة مات عنها زوجها. أخري انفصلت عن زوجها. ثالثة سافر زوجها. وكان من نصيب الجميع تربية الأبناء ماذا تفعل مثل هذه المرأة؟ حاولت المرأة أن تكون لهم الأب والأم وتحت مسمى الحب الزائد والخوف الشديد منعتهم من الاختلاط بالناس والتعرف على مختلف الأدمغة وكيفية تفكير الأخر مما جعل الأبناء يتمركزون حول ذواتهم بمعنى أن إدراكهم للحياة هو من وجهة نظرهم فقط دونما اعتبار للآخر. لا يقبلون النقد ولا يعترفون بالخطأ. يعتقدون أنهم وجدوا في زمان لا يليق بهم وعصر ليس من أجلهم. يؤمنون بنظرية المؤامرة، الجميع سيء يتآمر عليهم ويطمع فيهم ويكيدوا لهم المكائد. يعتمدون اعتمادًا كليا على أمهم؛ فهي مصدر النور والعلم والمعرفة، وبالتالي لا يخرجون عن رأيها في أي شيء، بل ازداد الأمر سوء بأن صبغوا هذه الطاعة العمياء بصبغة دينية فالأمر أمر الأم والنهي نهي الأم. والسؤال هنا هل الأمر والنهي يكون في الصواب أم في الخطأ ؟ بالتأكيد يكون في الصواب، ولكن من جهة نظرهم فقط فهم لا يدركون أن الأم دمرتهم من حيث أرادت نفعهم. بل تطاول الأمر عندها بأن جعلت من نفسها مع الله شريك !!!!! كيف يحدث هذا؟ ومن أين جئنا بهذا الاستنتاج؟ من قوله تعالى «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا». وخاصة بعد ربط الآية بافتتاحية وصية لقمان لولده «يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ». وقول المصطفي صلى الله عليه وسلم: « تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ». إذن عبودية غير الله ليست متمثلة في السجود للأصنام كاللات والعزى وفقط؛ وإنما أراد رسول الله وفقا لمراد الله أن يلفت الانتباه أن العبودية يمكن أن تتمثل في المال، الجاه، السلطان، محكم السيطرة. وجميعها مذمومة لأنها أدت إلى إلغاء وظيفتي العقل والفطرة بذلك يصبح صاحبها مشرك وإن كان مصلياً في أوائل الصفوف. هذا الأنموذج من الأمهات أصرت على إحكام السيطرة على ابنائها فكما كانت لهم مصدر الطعام والشراب والهواء وكل شيء وهم في بطنها من خلال الحبل السري كذلك مصدر الحياة الأوحد بعد ولادتهم فأصبحوا بها لا شيء. أصرت صاحبة هذا الأنموذج من الأمهات على أن تكون مصدر المعرفة وفقًا لفهمها فأصبح الأبناء لا يعرفون شيئًا من المعرفة وفقًا لفهمهم. أصرت صاحبة هذا الأنموذج من الأمهات على أن تجعلهم عُبادًا لله وفقًا لإرادتها فأصبحوا عبيدًا لها دونما إرادة. أصرت صاحبة هذا الأنموذج من الأمهات على أن يكونوا أصحاب شهادات عليا فأصبحوا في درجات سفلى. أرادت صاحبة هذا الأنموذج النفع للأبناء من حيث بصرت فكان الضياع للأبناء من حيث فقدهم البصيرة. أيتها الأمهات ممن تقمص هذا النموذج في التربية ارحموا أبناءكم بإعطائهم قدر من الحرية يتعاملون بها مع الآخرين .علموا أبناءكم أن الخطأ ليس بجريمة وأن التعلم يأتي من الخطأ دونما النجاح. حثوا أبناءكم على قبول انفسهم بمزاياهم وعيوبهم. أرشدوهم إلى فهم الآخر وتقبله. نشؤهم وتنشئوا معهم. كم نحن في حاجة إلى التربية العصرية وفقًا لمقتضيات العصر الحديث حتى نجمع بين الأصالة والمعاصرة، الدين والدنيا، العلم والمعرفة. لا تجعلوا أبناءكم مثل الريموت كنترول في أيديكم.
ريموت كنترول!!.. بقلم جمعة البسيوني
مقالات , 5 مايو, 2019, No Comment

