لم يكن الرحيل خيارًا، بل كان قدَرًا كُتب علينا بحبر الألم وظلال الفقد. تركنا وراءنا بيوتًا كانت تحضننا، شوارع حفرت في ذاكرتنا، وأرضًا كنا ننتمي إليها بلا سؤال. لكننا حين وصلنا إلى أرضٍ جديدة، لم نكن نحمل سوى وجع الحرب وأملٍ في بداية أخرى.
لم نكن نعلم أن النزوح ليس فقط فقدان الوطن، بل هو أيضًا اختبارٌ لصبرنا على ألسنةٍ لا ترحم، ونظراتٍ تقتات على غربتنا، وأحكامٍ تُطلق علينا كأننا غرباء عن الإنسانية كلها. كم مرة سمعنا كلماتٍ تهز كرامتنا؟ كم مرة شعرنا أننا عالة، أننا أقل، أننا غير مرغوب بنا؟
نحن لم نختر أن نكون غرباء، لكننا أجبرنا على حمل هذا اللقب وكأنه وصمة. نحن لسنا مجرد أرقامٍ في قوائم اللاجئين، ولا مجرد وجوهٍ عابرة في محطات النزوح، نحن أناسٌ لهم قصص، لهم أحلامٌ توقفت قسرًا، وقلوبٌ تبحث عن بعض السلام.
فيا أيها العابرون، لا تزيدوا على وجعنا وجعًا، ولا تجعلوا من جراحنا سخرية. نحن لم نأتِ لنسرق أوطانكم، بل جئنا نحمل معنا ما تبقى من وطنٍ نبحث له عن مأوى في قلوبٍ أرحب من الأرض.



