ينسج الكاتب عمار على حسن، خيوط مجموعته القصصية الجديدة «أخت روحي»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، والتى تدور أحداثها وعوالم أبطالها، ما بين قرى الريف بهدوئها، وشوارع المدينة بزحامها وصخبها، لترصد عبر أربع عشرة قصة قصيرة، «حكاية الإنسان» فى كل مكان، فتكشف عن أحلامه وخيباته، وصراعاته وتناقضاته، وتتناول الكثير من هزائمه والقليل من انتصاراته، وتغوص فى عوالم نفسه الدفينة، لتروى حكايات «المقهورين والخائفين والحالمين والمغامرين»، الغارقين فى بحر الحياة المتلاطم.
وفى قصته «أخت روحي» التى حملت اسم المجموعة القصصية، يتسلل عمار على حسن، خفية إلى روح المرأة ونفسها، ليرصد ما تعانيه وتتحمله ظلمًا وقهرًا وبؤسًا، يفرضه عليها المجتمع، والمقصود بالمجتمع هنا ليس الرجل وحده فحسب، بل إن العذاب يأتى أيضًا على يد امرأة أخرى مقهورة مثلها، ليكشف الستار عن واقع مرير الظالم والمظلوم فيه سواء.
وتأتى قصتان من المجموعة بعنوان «الجميزة»، و«صورتها فى الماء» لتسلطا الضوء على قضية هجرة أهل الريف إلى المدينة، ولترصد فيها ما يشعر به أبناء الريف من غربة، تظل تسيطر عليهم، حتى وإن سكنوا واستكانوا فى المدن منذ زمن بعيد، تستيقظ أحزانهم كلما زارهم الحنين، واشتاقت قلوبهم إلى حكاياتهم القديمة، بعدما ابتلعتهم المدينة تمامًا فى جوفها بسطوتها وسلطانها، وكأنها «نداهة» أغوتهم بحلو صوتها، فأسرتهم إلى الأبد، حتى وإن سمحت لهم أحيانًا ببعض الزيارات القصيرة الخاطفة.
أما فى قصة «إشارات النهايات»، فيصحبنا المؤلف للقاء مع مرض السرطان اللعين، هذا الذى أصبح وجهًا آخر ومرادفًا لكلمة النهاية، عدو يتقهقر الأمل فى النفوس أمامه، ويحل محلها اليأس، سارق متسلل لا يجيد سوى خطف الأرواح والحياة من أصحابها، تأتى زياراته حاملة رحلة عذاب قوية معها، وسواء قصرت هذه الرحلة أم طالت، فهذا لا يمنع كونها بالتأكيد رحلة مؤلمة، وهو الحال الذى ينطق بها لسان البطل «لا ينقصنى الأمل، لكن تنقص مرضى الرحمة».
وعن نهم جمع المال، الذى يذهب بصحة وعمر صاحبه أثناء رحلة جمعه، قبل أن يدرك أنه لن يستمتع بما جمع، وأن العمر قد مر، تأتى قصة «سباق خاسر»، ويقول فيها عمار على حسن: «بعد فوات الأوان، أدركت أن المؤرخين قد نصبوا لى فخًا وأنا وقعت فيه، حين حدثونى فقط عن تاريخ الملوك والسلاطين والأمراء والوجهاء، فصوروا أمام عينى القصور المنيفة، وأسمطة الطعام الممتدة، والجوارى الجميلات اللاتى ينتظرن إنعام الأسياد عليهن بالدفء، ركبنى الوهم فرحت أجمع المال بأى شكل، ودون تحسب، ليكون عندى قصر، وزوجات أربع يتبارين فى إرضائى، غير خادمات تعطين أجسادهن الغضة لى عن طيب خاطر، آكل أطيب طعام وأدسمه، وأعبى من زجاجات خمر معتقة، وحولها فاكهة ومكسرات من كل نوع» ليستكمل: «دخلت سباقا مع الزمن، كلما زادت ثروتى زاد سعر كل شيء، كنت دومًا أردد ما سمعته من رجل عجوز ظننته حكيمًا»، «كل خبزا بملح لسنوات وادخر، ثم عش فى رفاه، لكن الزمن تبخر من يدى، ونظرت فى المرآة بعد سنوات، فرأيت الشيب قد غزا فؤادى ومفرقى، وعينى سكنهما وجع، ووجهى ازداد اصفرارًا من قلة النعمة، اليوم قال لى طفل صغير عند البكور، صباح الخير يا جدى».
تتوالى قصص المجموعة لتروى قصصًا عن الخوف، والثأر، والفساد، والغربة، والحياة، والموت، والطمع، والأمل، واليأس، وعن شرف الرجل وكرامته، وعن الأشجار والقطط أيضًا، تجتمع الأربع عشرة قصة، لتمثل نداء يوجهه عمار على حسن، إلى الإنسانية الغائبة فى قلوب كثيرة لعلها تستجيب مرة للنداء فتأتى.
ادخر عمار على حسن، فى نهاية المجموعة القصصية، حكاية بارعة، عن قضية بالغة الخطورة، وهو ما يمكن تسميته فى المجتمع المصرى بـ«عار البنات»، ليتناول فيها ما يقال منذ القدم، من أن تربية البنات تحتاج إلى الشدة، وأن اللين لا يجدى نفعًا، وأن حبس الفتاة فى جدران بيتها يحميها، وخروجها إلى الشارع، يجلب العار، ليفتت هذه المسلمات التى تستقر فى أذهان الكثيرين، من خلال قصته «الممنوع»، والتى تدور حول رجل يخاف على بنتيه، فيشيد قصورًا من الأحجار بينهم وبين جيرانهم، ويسد النوافذ، حتى لا يراهما أحد، ولا يقترب منهم شاب، فيأتين إليه بالعار، ولكن هل حماه هذا المنع وكل تلك الاحتياطات، من العار الذى ظل يخشاه فأغلق على حياته وحياة بناته».
فى هذه المجموعة كل الأشياء تتحدث وربما يعلو صوتها بالصراخ، تجتمع الأسطورة مع الواقع، والحقيقة مع الوهم، حيث لا فرار من الحياة ولا من الموت، لتحكى عن بشر يعانون فى أيامهم القاسية، متحملين آملين فى غد أفضل، ربما لا تلوح فى الأفق بشارته.
ويقول عمار: «فى وقت كان فيه كثيرون يتحدثون عن زمن الرواية لم أترك كتابة القصة القصيرة، بل كتبت القصة القصيرة جدا والأقصوصة، جنبا إلى جنب مع ما أصدرته من روايات، فالقصة كانت هى أول سرد أبدعته، وفيها كان التجريب والتعلم والتجويد، وجاء الانتقال الطبيعى من كتابة الشعر، مثلما كنت أفعل أيام الجامعة، إلى كتابة الرواية، ومع هذا لا تزال للقصة مكانتها عندى، كما هى حال كثيرين، وفى زمن الإيجاز السريع الذى صنعته مواقع التواصل الاجتماعى على شبكة الإنترنت، ستعود القصة للانتعاش من جديد».
و«أخت روحى»، المجموعة القصصية السابعة لعمار على حسن، إلى جانب عشر روايات، وثلاثة كتب فى النقد الأدبى، وعشرين كتابا فى الاجتماع السياسى والتصوف، وسيرة ذاتية سردية، وتعد حول رواياته وقصصه أربع عشرة أطروحة جامعية داخل مصر وخارجها، ونال عن أعماله الأدبية وفى العلوم الإنسانية عددا من الجوائز منها جائزة الدولة للتفوق، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة اتحاد كتاب مصر فى الرواية، وجائزة الطيب صالح للإبداع الكتابى فى القصة القصيرة وغيرها.
