قالت بعدما امتلأ وجهها غضبًا: أنت ظالم !!!!
فقال محدقًا في عينيها: وما هو الظلم كما تفهميه حتى تصفينني به؟
تلعثمت ولم تستطع الجواب.
فقال موضحًا: الظلم لغةً: الجور ومجاوزة الحد. ومعناه اصطلاحًا: (وضع الشيء في غير موضعه المختص به) وقيل: ( التعدِّي عن الحق إلى الباطل)؛ فهل ظلمتك يوماً ما؟
فقالت بصوت مرتفع أخفى أنوثتها: ظلمتني يوم أن عرفت كل صغيرة وكبيرة بداخلي حتى أصبحت كالكتاب المفتوح تقلب أوراقه لتقرأ منه ما يروق لك فإذا ما انتهيت تغلق الكتاب فلا تعتنى به. تأخذ منه دون أن تُعطي، تتقرب وقتما تريد، وتبتعد وقتما تريد وكأني لا شيء في حياتك.
فقال بصوت هادئ كان فيه إلى الحنو أقرب من الغضب: وماذا فعلتِ حتى تدفعي الظلم عن نفسك؟ هل أوجدت بيننا من الحوار ما نقضي به علي مشاكلنا؟ هل جعلتِ البيت كالزهرة في رائحتها؟ هل كنتِ كأمي في حنانها؟ هل كنتِ كاتمة لسري، صابرة عليّ في مرضي؟ هل كنتِ مُعينة لي على طاعة ربي؟
قالت وقد ظهر الحمر على وجنتيها: قد كنت لك ما تريد وقتما كنت لي كما أريد.
قال وقد ظهر عليه الغضب محاولًا إخفاؤه: أردتينى بشروط وإرادة المحب دونما شروط.
أعطته ظهرها، قالت مستنكرة: دعك من الفلسفة والتلاعب بالألفاظ لتثبت أنك على الصواب.
عض على شفتيه ثم قال: إن كان الأمر كذلك سألتزم الصمت على أن تقولي ما الذي حدث ليتغير الحال ويتبدل المقام وتعم الفوضى السلوك ويذهب عن العين النور وعن القلب السرور وعن الروح الاتحاد وعن الجسد الالتحام؟ ونصبح أغراب نعيش حياة الانفصال ….!!!!!
قالت متجهمة: يكفي أن أعيش في خدمة أبنائي.
قال مستوضحًا: إذن لا تتحدثين عن الظلم وتصفي الغير بما فيكِ ويكفيكِ؛ فالظلم أنتِ حينما تكون ِطيبة الحديث عظيمة الابتسام مع أهلكِ والأصحاب وتعودي إلي البيت لتبدأ رحلة غلق الفم وقضب الجبين وكأنك في مقبرة الأموات أو حبيسة مع المساجين. فالظلم أنتِ حينما تنفقين على الفقراء والمساكين – كما تدعين – وتمنعي عن بيتك أقل القليل. فالظلم أنتِ حينما تقولين ما لا تفعلين. فالظلم أنتِ حينما تتركين نفسك للمحب والكاره يعبث بك ليهدم البيت على من فيه بدافع العزة والكرامة. فالظلم أنتِ حينما استمعت إليهم حين قالوا لك لا يمتهنك زوجك, فجعلوك ممتهنة عند الجميع.
استمعت بإنصات وبكت بانهيار وقالت متنهدة: وماذا تريد منى؟ كنت لك السكن وقتما تريد. أو لم يأمر الله المرأة أن تكون سكن لزوجها فكنت لك كما أراد الله وبذلك أطعته فيك وعصيته فيَّ.
حاول أن يكتم غيظه فخرج الغضب كالبركان فقال بصوت مرتفع: أخذتي الشكل ولم تعبئي بالمضمون. تمالك نفسه واستنشق الهواء بعمق ليستعين على نفسه ثم استقوى على الشيطان بقراءة آيات من القرآن (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) …ثم اتجه نحوها وقال: قسم العلماء السكن إلي سكن الجسم وسكن الروح وكلاهما كجناحي الطائر لا يستطيع أن يحلق في سماء الحب بغيرهما وإن تعلق بأحدهما دون الآخر كان كالأعرج الذي لا يستطيع السير فضلًا عن الطيران، وأنتِ كالكثير من نساء العصر الحديث. يحفظ ولا يفهم، يدرك ولا يعي، يعلم ولا يعرف؛ لذلك الكثيرات منكن فارغات، تتحدثين عن الحقوق وتنسينا الواجبات، وإذا تأثرت بمقولة أحدهم وقررت إعطاء الواجب تعطيه مختزلًا، ناقصًا. فالعيب ليس في العطاء إنما العيب في سوء الإدراك. ماذا أُعطي؟ وكيف أُعطي؟ وهل ما أُعطيه هو ما يحتاجه زوجي؟ أم أنني أعطي ما لا يحتاجه؟ وبذلك أكون قدمتُ ما لا أُشكر عليه. فأراه بعين الجاحد ويراني بعين الفاقد. عزيزتي من الواجب على كل إنسان أن يقيم حوارًا ذاتيًا مع نفسه ليعرف مواطن القوة فينميها ومواطن الضعف فيعالجها.
التفتت بعيدًا وأعطته ظهرها وتركته يتحدث وهمت بالانصراف. فأكمل الحديث ولم ينقطع عن الكلام عزيزتي: ما أجمل الاعتراف بالخطأ، وما أجمل قبول النفس بما لها وما عليها، فالخطأ من طبيعة الإنسان، وقبول الآخر دليل على حسن التكيف والانسجام.
استمعت وتوقفت لتتحدث إليه فوجدته مطأطأ في الأرض منصرفًا عنها!!
جمعة البسيوني يكتب: قال وانصرف!!
مقالات , 1 مايو, 2019, No Comment

