إذا كنت قد تابعت أحداث دورة الألعاب الأوليمبية الأخيرة في باريس أو حتي لم تكن من أولئك الذين تابعوها فمن الغالب أنك قد سمعت عن تلك الملاكمة الجزائرية التي تعرضت لما يعرف بالتنمر في يومنا هذا ، والتنمر هنا لم يكن عاديا بل علي مستوي عالمي .. و بالرغم من الضغط النفسي الذي تعرضت له تلك البطلة العربية و كيف شاهدناها و هي تبكي بعد كل مباراة و لكن العجيب و الجميل في الأمر أننا أيضا شاهدناها و هي تطيح بكل من واجهت و لم تكتف إلا عندما حصدت تلك الميدالية الذهبية رغم أنف كل من حاول كسر عزيمتها و صلابتها النفسية .. فكان السؤال هنا ما هو تفسير ما فعلته هذه المقاتلة الجزائرية من ناحية علم النفس ؟
الإجابة ببساطة هنا أن إيمان خليف كانت تتمتع بما يسمي “بالمرونة النفسية”..
في هذه الحياة كلنا معرضون للأحداث الضاغطة و التي قد تجعل كيانك النفسي عرضة للإهتزاز و بشدة و للسقوط أحيانا إذا لم تكن تتمتع بتلك المرونة النفسية .
فالمرونة النفسية بمفهوم بسيط : هي الجهد الذي يبذله الشخص للتغلب على المشاكل والصعوبات التي واجهها أو سيواجهها خلال حياته، والقدرة على تعزيز قواه الشخصية في مواجهة هذا الجهد.
المرونة النفسية لا تقضي على التوتر أو الصعوبات أو المشاكل نفسها التي نعاني منها ، وإنما تمنحنا القوة للتعامل مباشرة مع المشاكل، والتغلب على الصعوبات والمضي قدماً في الحياة.
و كذلك تقلل المرونة النفسية من الآثار السلبية للمواقف العصيبة وتسهل علينا التكيف مع حياتنا والظروف المحيطة.
هل المرونة النفسية مهارة نولد بها ؟ أم أنها مهارة مكتسبة ؟
في حقيقة الأمر هي مزيج بين الاثنين فهناك جزء نولد به محفور في خصائصنا الجينية و لكن الجزء الأكبر هو ما يمكننا اكتسابه و تعلمه .
ما هي أهم عوامل الحماية او العوامل التي تساعد علي تعزيز المرونة النفسية؟
إليك بعض الخطوات حسب آخر الدراسات التي تستطيع تطبيقها لتعزيز المرونة النفسية في حياتك:
ضع في حسبانك الامتنان الإيجابي ومارسه
من السهل التركيز على ما ليس لدينا بدلاً من تقدير ما لدينا، ومع أن أهمية تقدير الإيجابية أمر مفروغ منه، لكن من الصعب تنفيذه لأننا غالبًا ما نقارن أنفسنا مع الآخرين خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وسيكون هناك دائمًا شخص ترى أنه أكثر ذكاءً منك أو أكثر جاذبية أو أكثر نجاحًا بغض النظر عن هويتك، والحل هنا أن تقارن نفسك مع ما كنت عليه سابقًا وتركز على الأشياء التي تجعلك شخصًا جيدًا وراضٍ عن نفسك (الصفات التي تحبها أنت وليس بالضرورة الصفات التي يقدرها الأشخاص فيك).
لا يكون الامتنان بشأن صفاتك الشخصية الإيجابية فقط بل أيضًا بشأن الأشياء الجيدة الموجودة في حياتك مثل: صحتك وعائلتك وأصدقائك وحتى يوم مشمس جعلك نشيطًا، وقد أظهرت الدراسات أن الامتنان يساعد على تعزيز المرونة والرضا عن الحياة ويقلل الشعور بالوحدة، وربما يعزز التقدم في تحقيق أهداف الحياة، لذلك من الأفضل دمج الامتنان في روتين حياتك بانتظام.
اسع دائمًا أن يكون لديك هدف
أظهرت الدراسات أن تحديد هدف معين والسعي لتحقيقه يجعلك أكثر مرونة ويساعدك في التغلب على تحديات الحياة بدلًا من الشعور بالإحباط بسبب مشاكلك، فتكون أكثر حماسًا للتعلم من التجارب السابقة والاستمرار ويكون تحديد هدف معين مهمًا جدًا في تعزيز المرونة النفسية والتعافي، خصوصًا عندما تواجه مصاعب عاطفية (مثل:التعرض للتنمر او وفاة أحد أفراد أسرتك أو إنهاء العلاقة) ويمكنك تحديد هذا الهدف عن طريق الانخراط في مجتمعك أو المشاركة في أنشطة ذات مغزى بالنسبة لك.
تطوير اليقظة (وليس الغفلة)
تهتم اليقظة باللحظة الحالية بطريقة غير حكمية فهي تولد الوعي بأفكارنا ومشاعرنا ما يساعدنا على الاستجابة بهدوء بدلًا من التوتر، لذلك تنمية اليقظة أمر مهم جدًا وهي تعني الاحتفاظ عن قصد بأفكارك وعواطفك في الحاضر دون التركيز على المخاوف بشأن المستقبل أو الماضي، على عكس التصرف دون تحكيم العقل الذي يترك مشاعرنا تقودنا بدلاً من أفكارنا فنعمل بطَيش بناءً على أفكارنا التلقائية ونتفاعل وفقًا لذلك.
بعبارة أخرى الغفلة الذهنية هي نوع من الاستجابة السريعة للمواقف، على سبيل المثال: إذا علق أحد زملائك على ملابسك فإن اليقظة هنا هي التحدث معه بشكل بنّاء، أما الغفلة (وهي الأسهل) تدفعك إلى إعادة التعليق العدواني السلبي.
قد تكون طريقة البدء في ممارسة اليقظة هي بالتدريب على التركيز على الأكل؛ أي تذوق طعامك مع الاهتمام بالتجربة بدلًا من تناول وجبتك بسرعة دون تجربة الشعور باللذة.
الاهتمام بالنفس ورعايتها
عندما تكون متوترًا قد يكون من السهل جدًا إهمال احتياجاتك الخاصة، وأشيع ردود الفعل على التوتر هي فقدان الشهية وعدم الحصول على قسط كافٍ من النوم، لذلك بدلاً من ذلك ركز على بناء مهاراتك في رعاية نفسك حتى عندما تكون مضطربًا، وخصص وقتًا للأنشطة التي تستمتع بها، فالاهتمام باحتياجاتك الخاصة يعزز صحتك العامة والمرونة النفسية ويدربك على أن تكون مستعدًا دائمًا لمواجهة تحديات الحياة.
تطوير مهارات حل المشكلات
تشير الدراسات إلى أن الأشخاص القادرين على التوصل إلى حلول لمشكلة ما يميلون إلى التعامل بشكل أكثر إنتاجية مع التوتر مقارنة بأولئك الذين لا يستطيعون إيجاد حلول للمشاكل، ويكون تطوير المهارات عن طريق تجربة استراتيجيات مختلفة والتركيز على تطوير طريقة منطقية للعمل من خلال المشاكل المشتركة، لذلك فإن ممارسة مهاراتك في حل المشكلات بشكل منتظم سيجعلك مستعدًا بشكل أفضل للتعامل عندما تواجه تحدٍ خطير، وبالتالي يعزز المرونة.
تواصل مع الآخرين
ترتبط المرونة النفسية بعلاقاتنا مع الآخرين وخلق تجارب إيجابية، وتوفر العلاقات الوثيقة حاجزًا ضد أحداث الحياة السلبية، والإنسان كائن اجتماعي بطبعه لذلك فإن بناء العلاقات وتوفير الدعم الاجتماعي وتلقيه ضروري للبقاء على قيد الحياة، وهو ما يجعل الحياة تستحق العيش.
والموضوع هنا أكثر من كونه مجرد دعم اجتماعي، فأن تصبح مرشدًا للآخرين هو وسيلة للشعور بالكفاءة الذاتية والتواصل ويسمح لنا أيضًا بتوسيع وجهات نظرنا للخروج من إطار حياتنا اليومية.
آمن بقدراتك
تٌعتبر الثقة في قدرتك على التعامل مع ضغوط الحياة عامل مهم في المرونة النفسية، وزيادة الثقة في قدراتك (بما في ذلك قدرتك على الاستجابة للأزمات والتعامل معها) هي طريقة رائعة لبناء المرونة النفسية للمستقبل، ويمكنك ذلك عن طريق الاستماع إلى التعليقات السلبية في رأسك والتدرب على استبدالها فورًا بأخرى إيجابية (مثل: أن تقول لنفسك أنه يمكنك القيام بذلك أو أنك جيد في وظيفتك)، فإن تقديرك لذاتك له دور مهم في التعامل مع التوتر والتعافي من الأحداث الصعبة وتعزيز المرونة النفسية.
تقبل التغيير
تقبٌل التغيير جزء أساسي من المرونة من خلال تعلم كيف تكون أكثر قابلية للتكيف، مما يجعلك مجهزًا بشكل أفضل للاستجابة لأزمات الحياة، وغالبًا ما يستخدم الأشخاص المرنون هذه الأحداث كفرصة للانخراط في اتجاهات جديدة، في حين أن بعض الناس قد يفشلون بسبب التغييرات المفاجئة، فإن الأفراد ذوي المرونة العالية قادرون على التكيف والازدهار
