نعيبُ “نوبل”.. والعيبُ فينا.. بقلم – مختار محمود

رغم أن ظاهرة: “الجوائز لا تذهب غالباً إلى من يستحقونها” من إفرازات العالم الثالث، وإنتاج مصرى حصرى، إلا أنها تحولت إلى عدوى اجتاحت العالم الأول، وتمددت وتوغلت حتى وصلت إلى كواليس الجائزة الأرفع عالمياً وهى جائزة “نوبل”.
فى مصر مثلاً.. معلومٌ للجميع التربيطات التى تتحكم فى جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية، وما فى مستواها. النسخة الأخيرة شهدت جدلاً عارماً عندما ذهبت إحدى الجوائز إلى مثقف فقير الإنتاج محدود الإمكانيات، ولكنه يعرفُ كيف تؤكل الكتف بأقصر الطرق وأقل مجهود. وقبل سنوات لم يخجل القاطنون فى المجلس الأعلى للثقافة من منح جائزة الدولة التقديرية لـ “سيد القمنى”، الذى بنى شهرته على الطعن فى الأديان والأنبياء والكتب السماوية، قبل أن يتم سحبها منه بـ “حُكم قضائى مشهود”. لذا.. فإنه يجب علينا أن نخجل من اتهام جائزة “نوبل”، بأنها تخضع للأهواء والميول، وأنها مُسيسة بامتياز، ليس لأنها ليست كذلك، ولكن لأنه لا يصح أن نأمر الناس بالبر وننسى أنفسنا.
هناك أرقام وإحصائيات دالة وكاشفة بخصوص جائزة “نوبل”، ربما يكون من أكثرها غرابة أن 10.5% من الحاصلين على الجائزة بين عامى: 1901-2000 من الملحدين واللا أدريين. فيما بلغت نسبة الملحدين واللاأدريين من الحاصلين على جائزة “نوبل” للآداب وحدها 35% !!
وبعيداً عن إثارة الغبار حول جوائز “نوبل” كل عام، والطعن فى القائمين عليها، والتشكيك فى نزاهتهم، حتى لو كانوا دون المستوى، وكانوا مُوجَّهين، وتتحكم فيهم الأهواء، وتقودهم الأغراض، ويفتقدون إلى الموضوعية، فإنه يجب علينا أن نصلح من أنفسنا، خاصة على صعيد الجوائز، ونلتزم بالمعايير والضوابط الحاكمة، حتى لا يزهدها الناس، وييغمزون ويلمزون فى أصحابها.
التعيينات بالجامعة مثلاً لا تخضع للكفاءة المطلقة. قد تكون الأعلى تقديراً، ولكن منصب “المعيد” يذهب طوعاً إلى “ابن العميد” أو المسؤول النافذ المتنفذ. قبل 25 عاماً تقريباً.. حصل ابن مسؤول رفيع على تقدير “مقبول” بكلية “الحقوق” بجامعة القاهرة، فتم تعيينه معيداً بالكلية المناظرة بجامعة “بنى سويف” فترة قصيرة، قبل أن يعود مجدداً إلى جامعة القاهرة.. وقس على ذلك كل شئ فى مصر، لا وجود للموضوعية، ولا انحياز للكفاءة، ولا حضور للنزاهة، ثم نطالب بها غيرنا فيما يتعلق بالجوائز، صغيرها وكبيرها!
نعم.. “نوبل” قد تكون جائزة موصومة، أو مُسيسة، أو مشبوهة، هناك دراسات وأبحاث ليست قليلة أثبتت شيئاً من ذلك، ولكن ما لا شك فيه أن جوائزنا المحلية ليست أفضل حالاً من “نوبل” وأخواتها، بل يشوبها الغرض، وتغيب عنها العدالة، فلنصلح من أمرنا أولاً، قبل توزيع الاتهامات يميناً ويساراًعلى غيرنا، ولنحافظ على النزاهة فى شؤوننا كلها، قبل أن ننشدها من الآخرين، ولا ينبغى أن نعيب “نوبل”.. والعيبُ فينا..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.