لا يوجد حديث الآن بين الناس ولا على شبكات التواصل الإجتماعي إلا ويتحدث عن إعدام محمد راجح ، وتزوير الرقم القومي ، والخوف من الفرار من يد العدالة وهذا الحديث يعتبر حق مشروع فللدم حرمة عند الله ، ولذلك قال رسولنا الكريم ” لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق ” ولكن السؤال كم يوجد مثل محمد راجح ؟؟ ولماذا هناك أصلا مثل راجح ؟؟ ولماذا يعد السلاح الأبيض من مرادفات الخلافات ؟؟ ولماذا هناك نموذج من الشباب لغتهم مثل لغة العصابات وتحمل لغتهم الوعيد والترويع والتهديد ؟؟
لماذا ؟؟؟ لماذا ؟؟ الإجابة ببساطة لأن الهرم أصبح مقلوبا رأسا على عقب .
فقد أصبح الشباب الذي يتمتع بلسان يحمل على أطرافه ألفاظ خارجة هو الشباب الكول والرِوش بلغتهم …………
والأم بدلا من أن تقوم بدورها في تربية النشئ من أبنائها أصبحت تبحث عن تحقيق ذاتها، وحتى لا أكون قاسية تبحث عن تأمين حياة أفضل لأبنائها، وعلى هذا أصبح شغل الأسرة الشاغل و الأهم عندهم هو توفير المأكل والملبس والمشرب …… كل هذا جيد ولكن السؤال من الذي سيربى هؤلاء الأبناء ؟!!!
هذا بالإضافة إلى دعوات التمكين التي ينادي بها العديد ولم يضعوا الإطار الضابط والحامي لحقيقة مضمون التمكين والآن أصبح هناك غفلة عن تمكين المرأة من دورها التي كانت تقوم به بفطرتها في حين أن صور التمكين الأخرى هي التي ظهرت على السطح ، وإن كنت لست ضد تمكين المرأة ولكن الإطار الضابط هنا إحداث حالة من الوعي بما لها وما عليها ، فهذا هو الضابط الحقيقي للتمكين ، ولذا أجد أن الهرم مقلوب في دور الأم تجاه أبنائها في بعض الأسر ولا أريد أن أقول غالبية أو معظم الأسر ، هذا الذي من شأنه أن أوجد في المجتمع صور عديدة من محمد راجح وغيره .
وإذا نظرنا إلى المدرسة وهي الجهة الثانية المنوط بها تربية النشء ولكنها للأسف أصبح الهرم فيها مقلوب ، فلم يعد هناك المدرس القدوة الذي يترك الأثر في نفوس وعقول الطلاب ، ولكن وجد المدرس الذي يأخذ من الطالب أموال مقابل الدروس الخصوصية ، ولذا فقَد الكثير من سلطاته كمربي وأيضا من هيبته ، وللأسف قد زحفت الدروس الخصوصية حتى على الجامعات تحت أسماء شتى ، وأعلم وأقدر أن المدرس لديه التزامات كثيرة تجاه أسرته وأبنائه ولذا أدعو أن تنظر الدولة للمعلم على أنه مربي الأجيال ومن حقه أن توفر له حياة كريمة وإن كان الواقع لا يسمح بزيادة الأجور إلا أن الدولة تستطيع أن تقدم للمعلم خدمات مميزة في العلاج والتعليم لترفع عن كاهلهم إلتزامات مالية بأن توفر المعلمين وأسرهم العلاج في مستشفيات القوات المسلحة بمقابل رمزي وكذلك يكون لهم حق تعليم أولادهم في المدارس الخاصة دون رسوم أو برسوم رمزية تقديراً لدورهم في تربية النشء – ولا داعي للحديث عن مستشفيات التأمين الصحي لأنها بحاجة إلى النظر في شأنها – فالمعلم هو خط الدفاع الأول إذا قام بواجبه كمعلم ، وبدلا من أن يكون مشغول بتوفير احتياجاته ، يكون شغله الشاغل هو تربية النشء على القيم والمبادئ ، فنخلق بذلك بيئة تسمح لنمو بذور القيم والمُثل العليا في نفوس أبنائنا .
أما إذا نظرنا إلى المسجد فالهرم أيضا مقلوباً ، فلم يعد له دور حقيقي وفعّال في تربية النشئ فالخطاب الديني في وادٍ وعقول النشء في وادٍ آخر ، فلم يعد مناسباً لهذا الجيل إطلاقاً أن نتحدث عن الحمامة وخيوط العنكبوت في الهجرة مثلاً ، بل هناك أمور كثيرة في جوانب الهجرة من حسن الإعداد ومهارات التخطيط الجيد و ….. فمثل هذه الجوانب تناسب عقول الشباب الآن حتى نجذبهم إلى دور العبادة التي كانت بمثابة المدرسة الروحية التي يتم فيها إنماء النفس وإزكائها .
ونلاحظ أنه للأسف إذا وجد بعض النشء يرتاد المسجد للصلاة لا يسلم من سخرية أقرانه وتهكمهم لذا أقول أن الهرم أصبح مقلوباً .
أما الإعلام فحدث ولا حرج فلا يوجد برنامج واحد يُعلم الشباب فن الحوار وثقافة قبول الرأي الآخر وإدارة الإختلاف ، وفن الخلاف على أسس راقية تُبنى على احترام الإنسان كفرد وحقه في الإختلاف في الرأي ، هذا بالإضافة إلى بعض من يلقبوا أنفسهم بالفنانين ، فبدلاً من أن يكون للفن دور في بناء الفرد بما يحمله من قيم ورسالة تعمل على رقي الفرد والمجتمع فللأسف مايُدعى فناً الآن يأخذ صوراً سلبية : إما تدني ملحوظ في القيم والأخلاق ، والتلوث السمعي في الألفاظ ، وتصوير المجتمع على أنه عبارة عن مجموعة من البلطجية ، أو مدمني المخدرات ، أو إرهابيين ، أو مرضي نفسيين ……ومشاهد العنف هنا وهناك ، ويبقي السؤال أين القيم ؟ أين رسالة الفن في رفع الوعي ؟ أين مشاكل المجتمع الإجتماعية وكيفية حلها وتقديم فكر راقي؟ أين القدوة الصالحة التي نقدمها لهذا الشباب الناشئ ؟ فمن المعلوم أن الشباب يهوي محاكاة وتقليد النجوم ، ولكن أين النجوم ؟!!! فمن نجدهم الآن معظمهم شُهب تُحرق ولا تُضئ في سماء القيم والمبادئ ، فالهرم أصبح مقلوب وسوق القيم قد عفى عليه الزمن في عالم المسرح والسينما !!! ولنضع هذا جانباَ ونأتي إلى أغاني التلوث السمعي فهي كوم آخر ، فمثل هؤلاء لا أعلم كيف لهم بهذا الجمهور الغفير من الشباب ، وإن كنت أود أن يكون هناك قانون يعاقب على إفساد الذوق العام للمجتمع حتى يحاسب هؤلاء على جريمة إفساد الذوق العام وإسهامهم في الإنحدار بقيم المجتمع وإن كانت القاعدة لاتنطبق على الجميع فهناك من يحترم الكلمة ويحترم فنه.
ولم يعد من شرائح المجتمع سوى أبناء الحي الواحد أو المنطقة السكنية الواحدة ، فاللأسف في الأمس البعيد نسبياً ، كان لأهل الشارع دور في التربية والتوجيه ، كان هناك من يقول للطفل أو الشاب هذا عيب وغلط ، وكان الرد الطبيعي أنا آسف ، أما الآن فإذا تَهور أحد ليقول لشاب أو حتى لطفل هذا عيبٌ نجد أن الرد العادي عليه : وأنت مالك ، وقد يتجمع عليه أهله ويناله من الإهانات مايناله .
أليس هذا هو الواقع المرير الذي أصبح يعيشه قطاع كبير من شبابنا ، ثم نأتي بعد ذلك لنقول أن هناك إنهيار قيمي وأخلاقي .
أيها السادة الكرام إن من يجاهد الآن ليربي ابنه على القيم والمبادئ يجد ألف معول ومعول لهدم هذا البناء ، فإذا أردنا أن نبدأ في إصلاح ذلك الأمر فعلينا أن يعود كل فرد في المجتمع ليقوم بأداء دوره الحقيقي والفعال في البناء بدءاً من الأم التي كفل لها الدستور في المادة رقم (11) حينما تحدث عن تمكينها للتوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل ، ونص المادة ( تدخل الدولة تمكين المرأة من التوفيق بين واجباتها ومتطلبات العمل كما تلزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد إحتياجاً) ، و من هنا أناشد الدولة أن تقوم بما كفلته وبما إلتزمت به حتى يكون هناك جيل يتحلى بالأخلاق ويتسم بالمبادئ ، وكذلك الأب عليه ألا يكون ضيف شرف في الأسرة وأن يقوم بأداء واجبه تجاه أبنائه في ترتيبهم ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المدرسة والمسجد والإعلام عليهم أن يقوموا بأداء أدوارهم فهذا من شأنه أن يخلق نموذج قدوة حقيقي يتحلى بالقيم والمُثل العليا وعندها سيكون لدينا جيل يتسم بالقيم والأخلاق وجدير بالتقدير والإحترام ، ولكن يجب أن نعدل الهرم أولا لنعود من أرض التيه وعندها سنربي جيل يكون بمثابة الشموس المضيئة حقاً .
