حتى الساعات الأولى من صباح اليوم، لم يكن اسم العالم النووى المصرى الدكتور “أبو بكر عبد المنعم رمضان”، معلوماً للمصريين، رغم وضعه العلمى المرموق، وتخصصه العلمى النادر،
ولكن مع إعلان نبأ وفاته داخل أحد فنادق العاصمة المغربية، بدأت عمليات البحث الألكترونى عن اسمه ومؤهلاته وإنجازاته التى لا يعرفها أحد سوى المقربين منه، وسوف يتوقف الاهتمام خلال ساعات وتحديداً مع إقامة مباراة نهائى كأس مصر!
الدكتور “أبو بكر عبدالمنعم رمضان”، كان أستاذاً متفرغاً بقسم المواقع والبيئة بشعبة الرقابة الإشعاعية التابعة لهيئة الطاقة الذرية، و صاحب إسهامات علمية كبيرة ومنجزات معتبرة، ولكنه ظل مغموراً لا يعرف أحد عنه شيئاً، حتى بلغ عامه الستين، ورحل رحيلاً مباغتاً وغادراً!
فى ظل الثورة التكنولوجية الرهيبة والقنوات الفضائية المصرية، الرسمية منها والخاصة، وإرسالها الممتد على مدار الساعة، و الصحف والبوابات الألكترونية المتنوعة، فإن أيَّاً منها لم تفكر فى استضافة العالم الراحل، أو إعداد تقرير عنه، أو عن الجهة التى ينتمى إليها. الإعلام المصرى كان ولا يزال مشغولاً ومهموماً بتلاسنات “مرتضى منصور” وخصومه، وتضاريس “سما المصرى” وألوان ملابسها الداخلية، والنسخ المحلية من “كيم كاردشيان”، وحفلات محمد رمضان وبرامج الطهى وغيرها.
لم تفكر “منى الشاذلى” خلال برنامجها الملاكى فى استضافة الدكتور “أبو بكر”، ولم يدر بخلد “إسعاد يونس” فى استقباله عبر برنامجها “صاحبة السعادة”، ولم تسع أى قناة من القنوات التابعة لـ “ماسبيرو”، التى تتباهى باستضافة الراقصة الستينية “لوسى” فى الذهاب إلى الرجل بمكتبه وإجراء حوار علمى معه!
الدكتور “أبو بكر” وأمثاله من العلماء النوابغ مكتوب عليهم أن يعيشوا مغمورين داخل أوطانهم، لا يحصلون على التقدير المعنوى أو المادى المناسب، ويبقون نسياً منسياً حتى الموت، وإذا ماتوا لا يحظون أيضاً بالاهتمام الرسمى المطلوب.
أما الذين يتلهفون على فك غموض الدكتور “أبو بكر”، وهل مات مسموماً أم بسكتة قلبية، فيجب عليهم أن يرجعوا خطوة أو خطوتين إلى الخلف، ليدركوا أنهم واهمون أو رومانسيون؛ فقائمة العلماء المصريين الذين ماتوا فى ظروف غامضة خارج مصر أو داخلها، ولم يتم معرفة ملابسات وفاتهم رغم مرور سنوات طويلة طويلة جداً ومخجلة جداً.
عالمة الذرة المصرية “سميرة موسى” تتصدر القائمة. المذكورة هي أول معيدة في كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول “جامعة القاهرة حاليا”، وحصلت علي شهادة الماجستير في “التواصل الحراري للغازات”، وسافرت إلى بريطانيا في بعثة وحصلت على “الدكتوراه” في “الأشعة السينية وأثارها”، وتوصلت في أبحاثها إلى طريقة باستخدام المعادن الرخصية تجعل صناعة القنبلة الذرية في متناول كل الدول؛ لأنها كانت تؤمن بأن زيادة ملكية السلاح النووي ستسهم في تحقيق السلام. وهى من أسست هيئة الطاقة الذرية عام 1948. وسافرت إلى الولايات المتحدة عام 1952 لإجراء بحوث في معامل جامعة “سان لويس” بولاية “ميسوري” الأمريكية. وقبل عودتها لمصر بعدة أيام.. تلقت دعوة من أحد المعامل الذرية في ولاية “كاليفورنيا”، وفي الطريق اصطدمت بسيارتها شاحنة كبيرة، وقذفت بها من مسافة 400 متر؛ ما أدى إلى مصرعها في الحال، ولم تكن تجاوزت 35 عاما. وتبين بعد ذلك أن الدعوة التي تلقتها لزيارة كاليفورنيا كانت مزيفة!
أما الاسم الثانى فهو “سمير نجيب” الذى تخرج فى كلية “العلوم”، وتم ترشيحه للسفر للولايات المتحدة في أوائل ستينيات القرن الماضى، لإكمال أبحاثه بعد أن أثبت كفاءة علمية متميزة. فاز بمنصب “أستاذ مساعد” في جامعة “ديترويت الأمريكية” في مسابقة تقدم إليها 100 عالم ذرة من مختلف الجنسيات. حازت أبحاثه على إعجاب الكثير من العلماء في أمريكا. ولكن بعد حرب 1967 ..شعر بأن مصر تحتاجه وعقد العزم على العودة. وبمجرد إعلانه لقراره.. تقدمت إليه عدة جهات أمريكية بعروض؛ لتمنعه من السفر لكنه أصرَّ. وفي الليلة المقررة لعودته لمصر لقى مصرعه في حادث مشابه لحادث “سميرة موسى”، وقُيِّد الحادث ضد مجهول!
أما الاسم الثالث فهو” يحيى المشد”، وكان عالم ذرة، وأستاذا جامعيا متخصصا في هندسة المفاعلات النووية. بعد تجميد البرنامج النووي المصري عقب حرب 1967 .. سافر “المشد” إلى العراق عام 1975 بعد أن وقَّعَ الرئيس العراقي الراحل “صدام حسين” اتفاقا نوويا مع فرنسا؛ تمهيدا لبدء المشروع النووي العراقي. وبعد أن رفض “المشد” شحنة “يورانيوم” أرستها “باريس” إلى بغداد؛ لأنها غير مطابقة للمواصفات، أصرت فرنسا على حضوره شخصيا لتسُّلم الشحنة. وعُثر بعد ذلك على الدكتور “المشد” في غرفته بالفندق في باريس جثة مُهشمة الرأس في يوم 18 يونيه 1980 ، وقُيدت الشرطة الفرنسية الحادث ضد مجهول. يُشار إلى أن طائرات إسرائيلية قصفت المفاعل الذري العراقي ودمرته بعد شهرين من مقتل “المشد” !
أما الاسم الرابع فهو “سعيد السيد بدير”، ابن الفنان الكوميدى الراحل “السيد بدير”، الذى تخصص في مجال الاتصال بالأقمار الصناعية والمركبات الفضائية. تخرج “سعيد” فى الكلية الفنية العسكرية وعمل ضابطا في الجيش المصري، حتى وصل إلى رتبة “عقيد مهندس” بالقوات الجوية. طلب إحالته للتقاعد ليفرغ إلى أبحاثه. ثم سافر إلى ألمانيا، وتعاقد هناك على إجراء أبحاثه في كيفية التحكم في المدة الزمنية منذ بداية إطلاق القمر الصناعي، وحتى وصوله الفضاء وأيضا في كيفية إرسال المعلومات من المركبة إلى مركز التحكم على الأرض. ولكن بعد أن اتفق مع باحثين أمريكيين على إجراء أبحاث معهما بعد إنهاء تعاقده في ألمانيا بدأ في التعرض للمضايقات وسُرقت الكثير من كتبه وأبحاثه، فقرر إرسال أسرته إلى مصر على أن يعود إلى ألمانيا بمفرده لإنهاء عقده، لكن بعد عودته لمصر عُثر عليه مقتولا في شقته في 14 يوليو 1989 عن عمر 40 عاما!
وفى العام 1975.. اختفى عالم الذرة الدكتور “نبيل القلينى” فى ظروف غامضة. كانت كلية “العلوم” بجامعة القاهرة، أوفدت “القلينى” إلى تشيكوسلوفاكيا، قبل تقسيمها، للحصول على درجة الدكتوراه، وحازت أبحاثه على الإعجاب، قبل أن يختفى بلا عودة.
أما الاسم السادس فهو عالم الذرة “محمد عبد المنعم الأزميرلي” الذى تخرج فى كلية “العلوم” بجامعة الأسكندرية عام 1962، ثم حصل على الدكتوراه في مادة “البوليمرات” من روسيا. وفي عام 1975 تمت إعارته إلى العراق وتم تعينه في بكلية العلوم جامعة بغداد. بعد الغزو الأمريكي للعراق تم اعتقاله في 26 أبريل 2003 لسؤاله عن الأنشطة العلمية المتعلقة بمجاله. وفي 19 فبراير 2004 تم إرسال جثته إلى مصر مع الصليب الأحمر الدولي!!
ما تقدم من أسماء مجرد مثال، وليس حصراً لقائمة طويلة من علماء مصر الذى ماتوا فى ظروف غامضة خارج مصر، ولم يتم فك غموض عمليات التصفية التى تعرضوا لها حتى الآن، وقُيدتْ ضد مجهول، فى الوقت الذى لا تتوقف فيه السلطات الإيطالية عن إزعاج مصر بقضية الباحث “ريجينى”!
وفاة “عالم نووى مغمور”!! ..بقلم -مختار محمود
مقالات , 7 سبتمبر, 2019, No Comment
