هل الدولة المصرية ضد الأطباء …بقلم د.ماجد فياض

أدرك محمد علي باشا بفطنته، ودهائه أنه لن يستطيع أن يتمكن من بناء جيش قوي يكون ركيزته في بناء إمبراطورية واسعة هددت السلطان العثماني نفسه فيما بعد سوي بأن يستثمر في خلق رعاية صحية للمصريين ، إذ كان قد هبط تعداد المصريين السكاني من عشرين مليون في العصر الفاطمي إلي 2.5 مليون في عام 1800م نتيجة الأوبئة وغياب الرعاية الصحية .

وجد محمد علي ضالته في الطبيب الفرنسي العصامي الطموح كلوت بك فاستقدمه من مرسيليا كي يؤسس أول إدارة صحية بمصر في منطقة الخانكة بداخل المعسكر العام للجيش ، ويصبح رئيسا لأطباء الجيش ثم يحولها إلى مستشفي تقدم خدامتها للجنود والجمهور علي السواء ثم أنشأ أول مدرسة للطب في مصر في عام 1837م.

لم يكن حال الأطباء في المحروسة الآن بأحسن من حظ المصريين في ذلك الزمان الذين كان 85 % منهم يسكنون الريف ولا تعرفهم الحكومة إلا حين تريد تحصيل الضرائب .

إذ يتهم معظم الأطباء صراحة علي إختلاف مشاربهم أن الدولة المصرية ضدهم و لا تعلم عن حجم الضغوط والتحديات التي تواجههم شيئا ، و تنظر للنظام الصحي الخدمي علي إنه عبء ثقيل ولا تريد أن تستثمر فيه .

يتسأل الأطباء لماذا عمل الإعلام_ حتي شبه الرسمي _ علي شيوع ارتباط مصطلح ( تجار الأعضاء ، مسلسل إهمال الأطباء، القتلة، الجزارين ) الذي أثر سلبا علي مستوي الأمان الصحي ، والإجتماعي وسمعة الطب والأطباء المصريين ليس في مصر وحدها بل في الوطن العربي كله من المحيط الي الخليج ، فدمر السياحة العلاجية ، رغم سقوط عدد كبير جدا منهم شهداء في مواجهة هذا الوباء.

هل سمعتم عن ضابط أخطأ مثلا في مهمته فحدثت كارثة أمنية متكررة راح ضحيتها عدد من المواطنين الآمنين فخرج الإعلام يثور ويموج ويتسأل متي يتوقف مسلسل الضباط المهملين؟ أم يحفظ هيبتهم في المجتمع ويؤكد علي دورهم وتضحاياتهم ؟ هل سمعتم عن قضاة تلقوا رشاوي مادية وجنسية (قضايا حقيقية ) فمنع النائب العام النشر؟.

ولماذا إذا ما مرض النجوم والمشاهير أو افضوا إلي خالقهم خرجت البرامج والجرائد تستدر عطف ودموع المشاهدين والجماهير بإدعاء مبالغات غاية في السخافة عن أخطاء طبية، تعظم من كراهية الأطباء في المجتمع ؟.

ألا تمل هذه المافيا الإعلامية من الكسب الحرام علي حساب الأطباء ، وسمعتهم بنفس سلوك الجرائد الصفراء حين تخلق دائما (ترندات ) موجهة من أجل زيادة المشاهدات والتفاعلات تحض علي الفتنة والكراهية ؟.

قالت منظمة الصحية العالمية أن الأسباب الرئيسية للوفاة في العالم ثلاثة أمراض رئيسة هي القلب والأوعية (داء القلب الإقفاري والسكتة الدماغية)، والجهاز التنفسي (داء الانسداد الرئوي المزمن، وأمراض القناة التنفسية السفلى) والحالات المرضية في المواليد – التي تشمل الاختناق الولادي ، ورضخ الولادة، والعدوى الوليدية، ومضاعفات الولادة المبتسرة ، إلا أن الإعلام المصري يقول أن السبب الوحيد للوفاة والحصري هو الأخطاء الطبية!

الأطباء علي وشك الانفجار من كثرة الضغوط المهنية
( مثل ظروف العمل السلبية ، العمل المرهق ، نقص الإمكانيات، انخفاض المعنويات، ترهل وروتين الإدارات ، عدم التقدير والرقابة المهنية ، العمل تحت الخوف إذ أن خطأ طبيا واحدا كافيا بأن يدمر نفسيتك ويزج بك إلى السجن وتنتهي حياتك المهنية والإجتماعية إلي الأبد ) ، وضغوط اقتصادية ( مثل تدني الأجور مقابل التزامات مادية وإجتماعية كبيرة تؤدي إلي عزلة الطبيب عن محيط أسرته وأقاربه) ، وضغوط داخلية إذ أن المجتمع الطبي مجتمع تنافسي معظمه ملئ بالطموح لكنه يواجه صعوبات وتحديات في التعليم الطبي المستمر والدراسات العليا ، مما دفع الغالبية العظمي الذين فشلوا في التكيف والتأقلم إلى الفرار والهجرة _ معظمهم من شباب الأطباء _ حتي أن نيابات جامعية (وظائف معيدين ) لم تجد من يتقدم إليها.

شخصيا أرى أن الدولة لا تعادي الأطباء بل هي فقط تنقصها الإرادة السياسية الحقيقية لتطوير الخدمات الصحة وهناك عدة أسباب .

أسباب سياسية
الأطباء فئة مجتمعية ليس لها وزن أو ثقل سياسي ولا يهتم بهم أو يسمع لهم السياسيين أصحاب القرار
بل علي العكس هم فئة سهلة للقفز عليها واستغلال حالة العداء المجتمعي المصنوعة علي أعينهم
فاذا أراد نائب عن الشعب أو مسؤول أن تزيد شعبيته
اصطحب كاميرا و داهم المستشفيات!

وإذا أراد نائب أيضا أن يقوم بدور تشريعي يسلمه عقله إلى منطقة سهلة وآمنة للحط من الأطباء فيقترح مشاريع قوانين مجحفة ..مثل مشروع قانون منع الأطباء من السفر أو دفع مصاريف التعليم حين علموا أن حوالي ثلثي الأطباء خارج الوطن، بدلا من سن تشريعات إصلاحية توقف أسباب هجرة الأطباء ومعاونيهم وتحمي الأطباء والمنشأت الصحية من اعتداءت ( البلطجية ) ، وسن قوانين وتشريعات تسهم في تحسين وتطوير الرعاية الصحية.

في دراسة عن معدل رضاء المصريين عن الخدمات الصحية كانت النتيجة أن 83.3% من المصريين غير راضين عن خدمات العيادات الخارجية الحكومية وأن 66.7% غير راضيين عن خدمات الرعاية الصحية الداخلية بينما 16.7% فقط غير راضيين عن خدمات القطاع الخاص ومع ذلك خرج علينا من يطرح مشروع قانون تحديد قيمة كشف الأطباء بالعيادات الخاصة.

تعتقد الدولة أن معظم كوادر الإخوان المسلمين أو اليساريين والمعارضة من الأطباء فلا رغبة ولا إرادة سياسية للتعاون معهم.

أسباب إقتصادية

الصناعة الطبية والرعاية الصحية مكلفة جدا وهناك تردي في خدمات النظام الصحي ، لذا لجأت بعض الكيانات والنقابات لحماية نفسها بحلول مجتمعية ضعيفة كمشاريع العلاج .

انتشار الممارسة الطبية في بعض القطاع الخاص بشكل نفعي بأكثر منه شكل مهني أخلاقي .

وكما طرحنا بعض المشكلات هذه هي بعض الإقتراحات
للحل

1_ علي الدولة أن تعي جيدا أن الإنفاق الصحي هو استثمار له عائد كبير بكل المقاييس وأنه من الضروري زيادة نصيب القطاع الصحي في الموازنة العامة للدولة
حيث أن مصر من أقل دول العالم أنفاقا للصحة بمعدل 3.8 من إجمالي الدخل القومي بينما مثلا البرازيل 8.3% ،والكيان الصهيوني 10.9% والولايات المتحدة الأمريكية 13% (حسب تقرير الصحة في العالم ..منظمة الصحة العالمية ).

2_ التأكيد علي عدالة الخدمات الصحية والعلاجية المتخصصة بين فئات الشعب ، وعلي جميع أقاليم الجمهورية ، والتخلي عن سياسية مركزية المستشفيات والمعاهد التعليمة المتكدسة بالقاهرة والحضر وإنشاء مثلها في الأقاليم والمناطق البعيدة.

3_ تبني سياسة الإبتعاث الخارجي عن طريق
برنامج رئاسي وطلب المنح الدراسية ، والتدريبة بديلا عن المعونات الصحية من الدول المانحة لرفع مستوي الكوادر الطبية ومعاونيهم.

4_ دعم البحث العلمي وبحوث علوم الصحة.

في النهاية أريد أن أقول أن المحك في الأنظمة الحاكمة وحكم التاريخ عليها هو طريقتها في السلم ومنهجها في سياسة الشعب والعمل له والنهضة به صحيا وتعليميا لا طريقتها في الحرب والحكم فقط
وعلي الدولة أن تتحمل مسؤوليتها في عدم اغتيال الأطباء معنويا ….. فإن صاحب السلطان إذا ضل
أضل شعبه بشوكة الإعلام.

#ماجد_فياض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.