مزايدات الوزير!.. بقلم – مختار محمود

فى مصر 33 وزيرًا، كل منهم يقود وزارة مهمة ومؤثرة بشكل أو بآخر، وجميعهم يمتلكون خبرات علمية ومهنية مهمة قادتهم إلى مناصبهم الرفيعة التى يستحقونها عن جدارة، وكلهم يعملون فى صمت وهدوء إلا وزيرًا واحدًا يملأ الدنيا على اتساعها ورحابتها ضجيجًا وصراخًا ومداخلاتٍ وتصريحاتٍ.. إنه معالى وزير الأوقاف!
من المؤكد.. أن الوزير المذكور لا يفوق زملاءه فى حكومة الدكتور مصطفى مدبولى علمًا ولا خبرة ولا حضورًا ولا “فصاحة”، ولا يتفوق عليهم جميعًا سوى فى الأقدمية، فقد مر على استوزاره 6 سنوات، وليس فى هذا مزية تمنحه ما يمنحه لنفسه من زهو وفخار وغلو ومغالاة!

بلغة الأرقام والمصلحة والتأثير.. فإن وزارة الأوقاف ليست الأعظم أهمية، فمعظم الوزارات أكثر منها منفعة للوطن والمواطن. ورغم ذلك، فإن الوزير المذكور هو الأكثر إجراءً للمداخلات التليفزيونية والإذاعية، والأكثر حضورًا فى الصحافة الورقية والألكترونية، بلا أى طائل، سوى إثبات الحضور فقط، وكأنه يرفع شعار: “أنا أتكلم.. إذن أنا موجود”!
إذا قام فريق من المتخصصين بتحليل مضمون جميع المواد الإعلامية ذات الصلة بالوزير، فإنه سوف ينتهى إلى نتيجة حتمية وهى “اللا شئ”.. حصيلة صفرية بامتياز!
مُستغلاً لياقته وحيويته وسنه الصغيرة نسبيًا “54 عامًا”.. لا يهدأ الوزير ولا يكلُّ ولا يملُّ، فيقدم برنامجًا بلا مضمون عبر الإذاعة، ويزاحم الخطباء المُفوهين على منبر الجمعة، ويطارد الأئمة الحافظين على إمامة المصلين، ويطوف على البرامج المسائية لاستعراض إنجازات لا يراها سواه، مُستخفَّا تارة، ومُستظرفًا تاراتٍ أخرى!
أتقن الوزير لعبة التعامل مع الإعلام، بحكم الخبرات التراكمية، حيث يطلق فى الصباح تصريحًا، لينفيه فى المساء، ولا ما نع لديه من أن يتهم الناس بإساءة الفهم، ولا ضير من أن يفصل هذا ويعزل هذا ويحرم هذا، فهو الحاكم بأمره فى وزارته!
وفى الأيام الأخيرة، ومع عودة الحياة الطبيعية، وإعادة فتح المساجد، ضاعف الوزير من ظهوره ومداخلاته وتصريحاته، وجميعها مُغلف بالمنِّ على المُصلين والمُزايدة عليهم!
فى صباح يوم السبت الماضى.. كان الوزير يمنُّ على المصلين بأن فتح لهم المساجد، وهددهم بإغلاقها مرة أخرى إذا لم يلتزموا بالضوابط الحاكمة لمواجهة فيروس كورونا. وفى المساء كان يزايد عليهم ويخبر وسائل الإعلام بأنه أصدر قرارًا يحظر على المصلين استخدام المصاحف وكتب المساجد. وهنا تكمن مزايدات الوزير الصارخة؛ لأنَّ المصلين لم يكن يشغلهم سوى الصلاة فى المساجد فقط، كما أن الفترة الزمنية القصيرة جدًا التى تُفتح فيها المساجد لا تسمح لهم بأى شئ آخر غير الصلاة. والأهم من ذلك كله.. هو أن معظم المصلين، كبيرهم وصغيرهم، استعاضوا عن المصاحف والكتب المطبوعة بالهواتف الذكية التى تمكنهم من تحميل المصحف مكتوبًا ومسموعًا، فضلاً عن الأذكار والمقالات والكتب الدينية، ولكنها المزايدة التى أعيتْ من يُداويها.
تخيل مثلاً لو أن جميع الوزراء اقتفوا أثر زميلهم بـ “الأوقاف”، فطلب كلٌّ منهم تقديم برنامج فى الإذاعة وآخر فى التليفزيون، وكتابة مقالات بالصحف، وإجراء المداخلات الفضائية بالبرامج الليلية، وهبْ لو أن كل وزير أصدر قرارًا داخليًا طاف على جميع وسائل الإعلام، وأرسله إلى مسؤوليها على على جروبات “واتس آب”، كما يفعل معالى الوزير.. كيف يكون حال وزرائنا ومآل وزاراتنا؟!
مزايدات وزير الأوقاف فاقت كل وصف، وتجاوزت كل تصور، وأساءت إلى صورة “عالم الدين” ووقاره ورصانته، ونالت من هيبة الوزير ومكانته، وتتطلب تدخلاً جادًا يُعيد الشئ إلى أصله، ويضبط المسارات المعوجة، فقد بلغ السيل الزبى، واتسع الخرق على الراقع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.