قَبْرٌ يرى السَّماءَ! بقلم – مختار محمود

هذه وصيتى، وتلك رغبتى، لا أريد قبراً سرمدياً، ولكن أريد قبراً يرى السماء وتراهُ؛ لتؤِنسَنى فى غربتى الجديدة. لقد عشتُ كلَّ عمرى، عاماً وراء عام، فى غربةٍ موحشةٍ، فلا أريدُ أن ترافقنى هذه الغربة مُجدداً إلى قبرى. أريدُ قبراً يرى السماء؛ حتى تتسللَ إليه كلَّ صباح، إشراقة تبددَ ذلك الظلام الدامس الذى يحتلُّ القبورَ، فمثلى يكرهُ الظلامَ، ويخشى الأماكنَ المُغلقة على اتساعها وارتفاعها، فما بالكم بالقبر ووحشته؟! ولا أطيق النوم؛ لأنه قرين الموت وشبيهه، وإنْ نمتُ فلا بدَّ أن يرى مخدعى السماءَ وتراه. أريد قبراً يرى السماء، حتى أشكوَ اللهَ، كلَّ صباح، ما ألمَّ بى فى محياى، وحتى أناجيَه فى مماتى.
فى اليوم الأول.. سوف أناجى اللهَ تعالى شاكياً: بي ما علمتَ من الأسى الدامي/ و بي من حُرقة الأعماق ما لا أعلمُ/ بي من جراح الروح ما أدري/ و بي أضعافُ ما أدري و ما أتوهَّمُ/ وكأنّ روحي شُعلة مجنونة/ تطغى فتضرمني بما تتضرَّمُ/ وكأنّ قلبي في الضلوع جنازةٌ/ أمشي بها وحدي و كلّي مأتمُ، أبكي فتبتسمُ الجراحُ من البُكا/ فكأنّها في كلّ جارحة فمُ.
وفى اليوم الثانى..سوفَ أخبرُ اللهً تعالى بأنَّ “فرعونَ” لم يمتْ بعدُ، وأنَّ “قارونَ” لم يزلْ حيَّاً، يمارس بطشه وظلمه، وأنَّ “هامانَ” لم يعدْ واحداً أو اثنينِ، بل أصبحَ أمَّة، وأنَّ “أبا جهلٍ” صارَ نبيَّاً فى “زمن الضلال”، وأنَّ “أبا لهبٍ” يتحاكى بلطفِهِ وكرمِهِ الرُّكبانُ، وأنَّ الإسلامَ صارَ غريباً، وأنَّ الأنجاسَ الملاعينَ يتناوبون الإساءة إليه وإلى علمائه المغاوير.
وفى اليوم الثالث.. سوف أخبرُ اللهَ تعالى بأنَّ الفسادَ ظهرَ فى البرِّ والبحرِ، حتى عمَّ وتوغَّلَ وانتشرَ، وغدا حاكماً ومُتحكماً ومسيطراً. سوف أبلغه بأنَّ بعضَ رجال الدين يتاجرون به ويرتزقون منه ويضعونه مطيَّة لأسيادهم، حتى تخلى عنه الصغارُ وألحدوا وانسلخوا من دين الله أفواجاً..
وفى اليوم الرابع.. سوف أخبرُ اللهَ تعالى.. بأنَّ الأرضَ لم تعدْ على وفاقٍ مع السماء، حتى أصبحتْ هناك خصومة بينهما، وأنَّ الأمر لم يعدْ يحتملُ، ولا بد من أن تلتئمَ العلاقة بينهما مُجدداً. سوف أبلغه بأنَّ الدمَ صارَ رخيصاَ، والأرواحَ بلا قيمةٍ، والعدالةَ غائبةٌ، والفقراءَ يزدادون فقراً، والمرضى يزدادون مرضاً، والأثرياء يزدادون ثراءً، والمساجد خاوية على عروشها، والحانات مكتظة عن آخرها.
وفى اليوم الخامس.. سوف أخبرُ اللهَ تعالى عن “الانتهازيين”، باعتبارهم أكثرَ قُبحاً من “المنافقين الجبناء”. سوف أبلغه بأنَّ هذا الفصيل من البشر، لا عهدَ له ولا أمانَ، ينكرُ المعروفَ، ويكفرُ بالعشير، لا يقاتلُ إلا من وراء جدار، يحسبُ كل صيحة عليه، لا يجيدُ إلا الطعنَ من الخلف، يخشي المواجهةَ، يُحيكُ المؤامراتِ والدسائسَ ويَنصِبُ الفخاخَ، يتقنُ نسجَ الأحاييل، التي هي أوهنُ من بيتِ العنكبوت عندَ مَنْ يعرفُ حالَه ولا تنطلي عليهم حِيلُه..
وفى اليوم السادس.. سوف أخبرُ اللهَ تعالى..بأنَّ الحرام صار سهلاً، فالزنا مُستباحٌ، والشذوذَ يجدُ من يدافعُ عنه ويُقنِّنه ويحاربُ من أجل إباحته. سوف أبلغه بأنَّ الذكورَ يتبادلون الزوجاتِ عبر منصَّاتِ التواصُل الاجتماعى، والآباءَ يضاجعون بناتهم، والأشقاءَ يرافقون شقيقاتِهم، والأمهاتُ يبعنَ بناتهن فى سوق النخاسة. سوف أخبره بأنَّ الأمرَ فاقَ ما تنبأتْ به الملائكة يومَ خلق آدمَ.
وفى اليوم السابع.. سوف أخبرُ اللهَ تعالى عن “الخَدَم‏ٌٌ الجُدُد”، الذين صعَّروا الخدود كلما مشوا، وغلظوا الصوتَ، فزلزلوا الأرض، وطرقعوا القدم‏، وإنْ تباهوا أنهم أهلُ الكتاب والقلم، وأنهم في حلكة الليل البهيم، صانعو النور، وكاشفو الظلم، وأنهم ـ بدونهم ، لا تصلحُ الدنيا، ولا تفاخر الأمم، ولايُعادُ خلقُ الكون كله، من العَدَم‏. سوف أخبرُه بأنهم يُستنفرون مثلَ قطعان الغنم، ويهطعون لعلَّهم يلقون من بعض الهبات والنعم. لهم‏،‏ إذا تحركوا‏‏، في كل موقع صَنم. يُكبرون أو يهللون حوله‏،‏ يُسبِّحون باسمه‏ ويُقسمون، يسجدون‏،‏ يركعون، يمعنون في رياء زائف، وفي ولاءٍ مُتهم. وفي قلوبهم‏ أمراضُ هذا العصر، من هشاشةٍ، ومن وضاعةٍ، ومن صغارٍ في التدني، واختلاطٍ في القيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.