أكاذيب نصر أبو زيد!… بقلم – مختار محمود

عشرُ سنوات مرت على رحيل المثير للجدل الدكتور “نصر أبوزيد” الذى كان بطلاً لـ”قضية مفتعلة” فى تسعينيات القرن الماضى، انتهت بهجرته إلى الخارج. نعم.. القضية كانت مُفتعلة، مثل كل القضايا التى يفتعلها المعسكر العلمانى بتنويعاته وتوجهاته المختلفة حتى الآن، وتلك كانت الأكذوبة الأولى فى سلسلة من الأكاذيب الطويلة التى أنتجتها سيرة صاحب كتاب “مفهوم النص”. وهنا نجد تقاطعًا لافتًا بين “فرج فودة” و”نصر أبوزيد”؛ حيثُ صنعَ التعاملُ العشوائى مع كل منهما بطلاً وشهيدًا، والحقُّ أن كلًا منهما لا علاقة له بالبطولة والشهادة، ولولا اغتيالُ “فودة” لانقطعتْ سيرته أو بقيتْ فى أفضل حالاتها بين أتباعه وندمائه، ولولا التصعيدُ المُتغابى ضد “أبو زيد” لظلَّ مغمورًا داخل جامعة القاهرة، لم يسمع به أحدٌ. الغباءُ فى التعامل مع المُعادين للإسلام والمتطاولين على ثوابته يضعهم فى بؤرة الشهرة، ويمنحهم أدوارًا لا يستحقونها.. هذه حقيقة لا تقبل تشكيكًا.
في تسعينيات القرن الماضى.. قدَّم “أبو زيد”، الذي كان مُتخصصًا في “الدراسات الإسلامية وفقه اللغة العربية”، أبحاثه للحصول على درجة “الأستاذية”، إلا أنَّ اللجنة المُختصَّة، وكانت تضمُّ علماءَ أجلاءَ، رفضتها، واعتبرتْ تلك الأبحاثَ تنطوى على الإساءة المُتعمدة والمُباشرة إلى القرآن الكريم. تفاعلتْ القضية على خلفية دعم بعض المثقفين والعلمانيين والذين فى كل وادٍ يهيمون لقضيته، وأثارتْ الرأى العام يومئذ، وأضحى “أبو زيد”، بين عشيةٍ وضُحاها، اسمًا معروفًا ورمزًا جديدًا للتنوير والتنويريين وصنمًا يركعون له ويسجدون وحوله يطوفون، فيما تمَّ وصمُ أعضاء اللجنة التي احتجَّتْ على أبحاثه، وكان من بينهم العالمُ الجليلُ الدكتور “عبد الصبور شاهين” – رحمه اللهُ- بالجهل والتطرف والرجعية، فهل كان “أبو زيد” صادقًا وجادًا ومُجددًا في أطروحاته، وهل أتى بما لم يأتِ به الأوائل، أم أنه أعاد إنتاج من سبقوه، وقال كلامًا مُكررًا؟
عن قُربٍ، وبُحكم مُعاصرتى لهذه الأزمة داخل أسوار جامعة القاهرة، فإنَّ “أبو زيد” كان رجلًا مُهذبًا خجولًا، ولم يكنْ فظاَ غليظًا، مثل ” جابر عصفور”، وكان من الممكن أن يتراجعَ عمَّا انتهى إليه في أبحاثه، لولا بؤرة الضوء الواسعة التي وجد نفسه داخلها على حين غفلة، وحالة الدعم المُفتعلة التي نشهدها، كلما نبحَ نابحٌ، أو نعقَ ناعقٌ، بحقِّ الإسلام وثوابته ومُقدساته حتى يومنا هذا.
على الرغم من فداحة أطروحات “نصر أبو زيد” بشأن القرآن الكريم إلا أنها لم تشكّل في جوهرها، برأى كثيرٍ من المُفكرين والكُتاب العُدول، طرحًا جديدًا؛ فهى كانت مجرد صورة من صور استخدام نظرية “التفسير الماركسى” في التعامل مع القرآن الكريم بما يُخضع النص، بحسب لفظه، للأيدولوجية، وهى هنا “الماركسية العلمية” التي آمن بها واتخذها منهجًا، إذ يقول: “إنَّ الدعوة للتحرُر من سلطة النصوص ومن مرجعيتها الشاملة ليس إلا دعوة لإطلاق العقل الإنسانى حرًا يتجادل مع الطبيعة ويتجادل مع الواقع الاجتماعى والإنسانى في مجال العلوم الإنسانية والفنون والآداب”.
إذن.. فإنَّ مشروع “أبو زيد” تجسَّدَ في وضع التصورات الماركسية والمضامين المادية الجدلية وتفسيراتها للحياة والكون والإنسان والوحى والنبوة والغيب والعقيدة في المعنى القرآنى، فيصيرُ القرآنُ ماركسيًا ينطق باسم “ماركس” وفلاسفة المادية الجدلية والهرمنيوطيقا، فيُغير بذلك المفاهيمَ الرئيسية للقرآن ويلغى المعانىَ الحقيقية للسور والآيات ويطمس الحقائقَ الدينية التي رسخها القرآن، وبيَّنتها السنة النبوية!!
والنصُّ القرآنىُّ، في اعتقاد “أبوزيد”، منظومة من مجموعة من النصوص، وهو يتشابهُ في تركيبته مع النص الشعرى، كما هو واضحٌ من المُعلقات الجاهلية مثلًا، والفارق بين القرآن وبين المُعلقة من هذه الزاوية المحددة، يتمثل في المدى الزمنى الذي استغرقه تكوُّن النص القرآنى، فهناك عناصرُ تشابُه بين النص القرآنى ونصوص الثقافة عامة، وبينه وبين النص الشعرى بصفة خاصة، وسياق مخاطبة النساء في القرآن المغاير لسياق مخاطبة الرجال هو انحياز منه لنصوص الصعاليك!
هذا بالنسبة للقرآن الكريم، أما النبوة والرسالة والوحى.. فإنها كانت، في رأي “أبو زيد”، ظواهرَ إنسانية وثمرة لقوة المُخيلة الإنسانية، وليس فيها إعجازٌ ولا مرافقة للواقع وقوانينه، فالأنبياءُ مثلُ الشعراء والمُتصوفة مع فارق درجة المُخيلة فقط لا غير! كما كان يزعم أن: “إيماننا بإله له عرش وله قدسية وجند في السماء وله كتاب محفوظ ورسل يُدخلنا في باب الخرافة والأسطورة”!
اتهم صاحبُ كتاب “نقد الخطاب الدينى” الوحىَّ بأنه “ليس له مصدر سماوى مُقدس”، ونفى عنه “صفة الفوقية”، إنْ صحَّ التعبير، لأنه عنده خرج من الواقع ورجع إلى الواقع، وليس هناك إلا الواقع!، وهو ينص على ذلك في قوله:«فالواقع أولًا والواقع ثانيًا، والواقع أخيرًا»!! الواقع فقط!!
لم تقتصرْ افتراءاتُ “أبوزيد” عند هذا الحدِّ، وإن كان ذلك أشنعَها، لكنها شملتْ أيضا على الطعنَ في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيثُ اتهمهم بـ”تأليه النبىِّ”، كما اتهمهم بأنهم ليسوا أطهاراَ ولا أخياراَ، كما طعنَ في أئمة المسلمين واتهمهم بالكذب مثل: الإمام “أبى حنيفة” رحمه اللهُ!!
وإجمالًا.. فإنه يمكنُ القول بأن “أبو زيد” لم يكنْ مفكرًا ولا مجددًا ولا تنويريًا جاداَ، ولكنه رجلٌ استهواه العبثُ بكل شئ، مع التأكيد على أنه لم يُنتجْ جديدًا، بل إنه أعاد إنتاج مَن سبقوه، ولم يكن يمانع من أن يتراجع عنه، لولا حالة “البروباجندا” التي أحاطت به، فظنَّ نفسه نسخة جديدة ومُعدَّلة من الفلاسفة القدماء، وهو لو يكن كذلك بطبيعة الحال، وهو كان يعلمُ ذلك، والذين آزروه ودعموه كانوا يُدركون ذلك، ولكنهم استخدموه “مخلب قط”؛ تحقيقًا لأغراض خبيثة، لم تعدْ خافية على أحدٍ، بعدما استفحلت وتفاقمت فى السنوات الأخيرة..
قبيل وفاته، وداخل مسجده.. جلستُ بين يدى الدكتور عبدالصبور شاهين، وسألتُه سؤالاً صريحًا: هل كفَّرتَ “نصر أبوزيد”؟ فأجاب: “لا يمكن أن أورِّط نفسي في هذا الاتهام البشع، لم أكفر “أبوزيد”، فالإسلام ينهانا عن ذلك، اللجنة المختصة فحصتْ البحث المُقدم منه، ولم تتطرقْ إلى عقيدة الباحث، تقييمنا كان تقييمًا علميًا موضوعيًا، كنا نقيم بحثًا لا باحثًا”. سألتُه: وما مُلخص هذا التقرير؟ فأجاب” التقرير بإيجاز انتهى إلى أن الأعمال التي تقدم بها الباحث تحتاج إلى إعادة نظر، والإنتاج المقدم لا يرقى إلى درجة أستاذ بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، إلى هنا والمسألة في غاية البساطة.. فسقوط طالب ترقية شيء طبيعي يحدث في كل زمان ومكان، وإذا جانبه التوفيق في جولة فقد يحالفه في جولة أخرى حين يجتهد ويتلافى أخطاءه التي أخطأها في المرة الأولى.. وهنا انتهى دور اللجنة العلمية ولم تكن طرفًا فى أى تصعيد بعد ذلك”. سألته عن حيثيات هذا الرفض، فأجاب: ” أبوزيد دعا إلى الثورة على القرآن والسنة، بزعم أنهما نصوص دينية تكبل الإنسان وتلغي فعاليته وتهدد خبرته. كما وصف القرآن العظيم بأنه مُنتج ثقافي تشكَّل على مدى 23 عاماً، وأنه ينتمي إلى ثقافة البشر، وأن القرآن هو الذي سمَّى نفسه، وهو بهذا ينتسب إلى الثقافة التي تشكل منها. كما هاجم علم الغيب، فجعل العقل المؤمن بالغيب عقل غارقًا بالخرافة والأسطورة، مع أن الغيب أساس الإيمان”.
واختتم “شاهين” كلامه عن أبحاث “أبوزيد” بقوله: “اللجنة انتهت إلى أن أبحاثه جدلية تضرب في جدلية لتخرج بجدلية تلد جدلية تحمل في أحشائها جنيناً جدلياً متجادلاً بذاته مع ذاته”!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.