تفتيت الأزهر!!… بقلم – مختار محمود

لا يزال العدوان على الأزهر الشريف مستمرًا، ولا يزال بعض أعضاء مجلس النواب يسعون إلى تفتيته وتقزيمه. من قبل.. حاولوا تشريع قانون للتضييق على الأزهر الشريف وإمامه الأكبر الذى يستقبله العالم الخارجى استقبال الفاتحين، ولما فشل مخططهم الآثم، إذ بهم يدبرون أمرًا بليل ويعتكفون على مشروع قانون جديد، لتوسعة صلاحيات دار الإفتاء على حساب الأزهر الشريف. مجلس النواب، الذى أظهر فشلاً ذريعاً، فى التعاطى مع جميع القوانين والقضايا المهمة، لا يجد حرجًا فى الاستئساد على الأزهر الشريف والتنمر بشيخه الأكبر. انتهتْ أزمات المجتمع كلها، ولم يبقَ أمام نواب الشعب سوى التحرش بالأزهر الشريف والعمل على تفكيكه. الملاحظاتُ، التى سجلها تقرير هيئة كبار العلماء على مشروع قانون تنظيم دار الإفتاء تنبئ بالكثير وتكشف عوارًا كبيرًا لدى من قاموا بإعداده، بدءًا من التعارض مع صحيح الدستور، وليس انتهاءً بالمغالطات التاريخية المريبة. وبحسب الهيئة، فإنَّ مواد مشروع القانون تخالف الدستور، وتمسُّ باستقلالية الأزهر والهيئات التابعة له، وعلى رأسها: هيئة كبار العلماء وجامعة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية . ونوهت الهيئة فى خطابها إلى مجلس النواب إلى أنَّ الدستور نصَّ على أن “الأزهر الشريف هو المرجع الأساس في كل الأمور الشرعية التي في صدارتها الإفتاء، والبت في كافة الأمور المتعلقة بالشريعة، والرد على الاستفسارات الشرعيَّة من أية جهة، وتقديم الآراء الشرعية في شأن المعاملات المالية المعاصرة، وإجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى، والرد على الشبهات المثارة، وغيرها من الأمور الشرعية التي تضمنها مشروع القانون”، فى الوقت الذى يسعى مشروع القانون فيه إلى حرمان الأزهر من هذه الحقوق التاريخية والأصيلة. واعتبرت الهيئة أن إسناد تلك الأمور لهيئة تابعة لوزارة العدل، ولا تتبع الأزهر الشريف؛ أمرٌ ينطوي على مخالفةٍ دستورية، ومساسٍ باستقلال الأزهر، وجعل رسالته مَشَاعًا لجهات أخرى لا تتبعه؛ حيث إن دار الإفتاء ستصير عندئذٍ كيانًا عضويًّا مُنْبَتَّ الصلة عن الأزهر الشريف، وتمارس عملها بمعزل عن الأزهر، وفقًا للمشروع المعروض. كما لفت الخطاب إلى معلومة مغلوطة انطلق المشروع من خلالها وهى أن هناك فصلًا بين “الإفتاء” و”الأزهر” من نحو 700 عام، وأنَّ هناك كيانًا مستقلًّا “دار الإفتاء”، وهذه معلومة كاذبة؛ جُملة وتفصيلاً، ويمكن العودة إلى المراجع التاريخية والمؤرخين الثقات للتأكد والتدقيق بعيدًا عن المراوغة والتدليس. وارتأت الهيئة أنَّ المخالفات الدستوريَّة التي شابت مشروع القانون لا تقتصر أو تقف عند مجرد العدوان على اختصاصات الأزهر الشريف، ومحاولة إنشاء كيان موازٍ للأزهر يقوم في موضوعه وغايته على محاولة الحلول محلَّه في رسالته وأغراضه، فالأمر يتجاوز حدود النزاع على الاختصاصات، أو التشبث بالصلاحيات، أو احتكار جهةٍ للقيام بدور معين، ومنع غيرها من مشاركتها فيه، فالخطورة تكمن في تجزئة رسالة الأزهر الشريف، وإهدار استقلاله الذي هو عِمادُ وسطيته واعتداله. وبناءً على ما تقدم وغيره.. انتهت الهيئة إلى رفض مشروع القانون بصورته الراهنة. وبعيدًا عن الأشخاص، فإنَّ الأشخاص لا بدَّ زائلون، شيخ الأزهر أو وزير الأوقاف أو المفتى.. فإنه يجب أن يتمتع التعامل مع المؤسسات الدينية فى مصر بدرجة من الرقى والتحضر والفهم الصحيح، وينأى عن منطق المكايدة وسوء النوايا. التفكير العملى يُحتِّم دمج المؤسسات الدينية “الأزهر/ الأوقاف/ دار الإفتاء” تحت مظلة واحدة وقيادة واحدة ورؤية واحدة، حتى تحقق الأهداف المحددة لها؛ فالتفكيك – كما حدث فى وزارات وهيئات أخرى من قبل، لا يجلب إلا خرابًا وتدميرًا وتجريفًا وإفسادًا. أنقذوا المؤسسات الدينية من التفتيت والتقزيم، وأعيدوا إليها وقارها المفقود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.