بين وزيرين.. بقلم – مختار محمود

بأضدادها تُعرفُ الأشياءُ، ويُعرَفُ أيضًا الرجالُ..وهذا ما بدا واضحًا فى حالة الحزن العام التى سادتْ الأوساط الدينية والثقافية والفلسفية إثر رحيل وزير الأوقاف الأسبق الدكتور “محمود حمدى زقزوق” الذى غيَّبه الموتُ الأسبوعَ الماضى، بعد مسيرة عملية حافلة بالمنجزات الفكرية والفلسفية والفقهية والتى تصبُّ جميعُها فى خدمة الإسلام. عندما كان فى مصر “رجال دولة”، اختير “زقزوق” وزيرًا للأوقاف، وخلال 6 سنوات متصلة، أنجز الرجلُ الكثيرَ والكثيرَ فى صمت ودون صخب أو ضجة ودون أذرع إعلامية مُستأجرة تنقل حركاته وسكناته، نومه ويقظته، قراراته التى اتخذها أو التى لم يتخذها بعدُ. وقبل المنصب الوزارى وبعده.. كان العالمُ كله ينظرُ إلى “زقزوق” نظرة إكبار وإجلال وتقدير، سواء لمنجزاته التى أثرى بها المكتبة الإسلامية، أو لمواقفه الناضجة وشخصيته الزاهدة المتواضعة تواضع العلماء الراسخين فى العلم. ولأنه لا يعرفُ أقدارَ الرجال إلا رجالٌ أمثالُهم، فإننا نلتمسُ فى رثاء الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف الدكتور “أحمد الطيب” للعالم الجليل الراحل، ما يكشف علو قدره وسموَّ منزلته. يرثى “الطيب” أستاذه الراحل: ” فقدَ الأزهرُ اليومَ وجامعاتُ العالم كلها عالمًا ومفكرًا إسلاميًّا كبيرًا أثرى المكتبة العِلمية بمؤلفاته القيِّمة التي طالما تغذتْ عليها عقولُ الباحثين وأقلامُهم في الشرق والغرب، وقد تركَ مسيرة عِلمية وعملية سيذكرُها التاريخُ بكلِّ فخر، بدأها في معهد أزهري ثم جامعة الأزهر وجامعات أوروبا، وختمها عضوًا في هيئة كبار العلماء ومُفكرًا ملأ الدنيا بفكره وعلمه… للهِ وللتاريخ أشهدُ أنك كنتَ الإنسانَ المُترفع عن كل الصغائر، والعالمَ الكبيرَ الشديدَ التواضع، وجميعُ المناصب العلمية والرسمية التي تقلدتها هي التي سعتْ إليك، وأُشهد الله أنك لم تسعَ إليها، وكنتَ مدرسةً في العلم والخلق الرفيع والإنسانية العليا يندر تكرارُها في هذا الزمان .. فوداعًا أيها الأستاذ الكبير محمود حمدي زقزوق، المُفكرُ الزاهدُ، والفيلسوفُ الفقيهُ، والعالمُ العابدُ”.. هذا ما ينبغى أن يكون عليه علماء الإسلام الحقيقيون، ونحسب أن الراحل كان واحدًا منهم، سواء بكتبه وآرائه، أو بمواقفه وأدواره، ولعله ممن تنزل فيه قول القرآن الكريم: “إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء”، ولا نزكى على الله أحدًا. وعلى صعيد التأليفِ والإنجاز العلمى، فقد أنجز العالمُ الجليلُ – رحمه اللهُ- مراجعَ ومؤلفاتٍ وكتباً عديدة، لعلها مما ينفعُ الناسَ حقًا ويمكثُ فى الأرض، أبرزُها: “المنهج الفلسفى بين الغزالى وديكارت”، “الإسلام في تصورات الغرب”، “مقدمة في علم الأخلاق”، “دراسات في الفلسفة الحديثة”، “تمهيد للفلسفة”، “مقدمة في الفلسفة الإسلامية”، “الإسلام في مرآة الفكر الغربى”، الدين والحضارة، القاهرة، و”الدين والفلسفة والتنوير”، كما حاز على التقدير المحلى والدولى تقديرًا واعترافًا بفضله وتعظيمًا لمكانته.
فى المقابل.. هناك صِنفٌ آخر من المنتسبين قسرًا إلى صفوف العلماء، والمتسللين سهوًا إلى مقاعد الوزراء، لا يحتذون سلوك “زقزوق” علمًا وتواضعًا وصمتًا، بل يفعلون النقيض تمامًا، فيملأون الأجواء صخبًا وفوضى، يستأجرون من يغسل سمعتهم، ويزيف حقيقتهم، يحسبون كل صيحة عليهم، يتعاملون مع مناصبهم الوزارية بانتهازية بغيضة، يعتبرونها نهاية المطاف، وقد يفتدونها بأى شئ، من أجل البقاء فيها حتى يقوم الناس لرب العالمين. ولأنَّ الشئَ بالشئ يُذكرُ، فإنَّ وزارة الأوقاف التى تزينت يومًا بوجود الدكتور “محمود حمدى زقزوق” وزيرًا لها، تحولت فيما بعدُ إلى وزارة منكوبة بوزراء ومسؤولين لا يعرفون قدرها، ولا ينشغلون سوى بأنفسهم، حتى لو لم يحوزوا واحدًا بالمائة مما حازه “زقزوق” علمًا ونبوغًا ونضوجًا وفقهًا وتواضعًا. لا ينبغى أن يكون على رأس وزارة الأوقاف مَن يرى نفسه أعلم أهل الأرض، وهو ليس كذلك، ولا من يطارد وسائل الإعلام ببيانات عديمة الفائدة، لا يهدف منها إلا أن يقول: ” أنا موجود”. إن تصحير الوزارات المهمة بأشباه الوزراء سياسة لم تثمر خيرًا على أى صعيد، وآن لها أن تزول وتنتهى؛ لأن فى مصر رجالًا يستحقون أن يكونوا فى الصدارة، ليس من أجلهم، ولكن لأنهم قادرون على تحقيق المأمول منهم. مصر تستحق وزراء يعملون من أجلها، وليس من أجل أنفسهم وتسويق أسمائهم. إن مصر لم تعرف عصر الميلشيات الإعلامية الوزارية إلا فى السنوات الأخيرة، عندما اصطنع أحدهم لنفسه أذرعًا إعلامية متعددة تتحدث باسمه وبإنجازاته التى لم يحققها. قبل أسبوعين.. هلل الرأى العام للاستعانة بخدمات وزير الصحة الأسبق الدكتور “محمد عوض تاج” فى الدائرة المقربة للرئاسة، لأنه “رجل دولة” بامتياز، واليوم يبكون رحيل رجل دولة آخر هو الدكتور “محمود حمدى زقزوق”. أمَّا أشباه الوزراء، فقد وجبَ تغييرهم والعودة إلى رجال الدولة الحقيقيين، فهو خيرٌ وأبقى، من أجل مصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.