العلاقة الجدلية بين الإعلام والسياحة. بقلم-د. صلاح حسين

هي تلك العلاقة الجدليَّـة القائمة بين عالمين تلازَما وإلتزما لإرضاء القارىء- السائح، الذي هو- في المنظور الإقتصادي- المستهلك. إنَّ هذا الرابط القائم والوثيق بين الإعلام والسياحة منذ سنوات يفسِّـر حاجة كلٌّ منهما للآخر لإيصال الرسالة. وفي الوقت الذي يَغدُو فيه الإعلام أكثر شموليَّـة وإتساعاً، تَنحُو السياحة لتكون أكثر إنفتاحاً وتطوُّراً، ما يؤدِّي إلى توثيق هذه العلاقة بين الإعلام والسياحة، فتكسب السياحة نافذة مهمَّـة تطلُّ من خلالها على أكبر شريحة ممكنة من الناس، ويأخذ الإعلام- السياحي منه بشكلٍ خاص- فرصةً أوسع لمحاكاة مختلف مجالات الحياة.

إنَّ الإهتمام الذي تُولِيه وسائل الإعلام للسياحة يتأثَّر إلى حدٍّ بعيد بأهميَّـة الحدث السياحي نفسه وبقيمته الإخبارية. فوسائل الإعلام، مرئيَّـة كانت أم مسموعة أم مطبوعة، هي، على غرار السياحة، “صناعة تُعنَى بمتطلِّـبات عالمٍ من المستهلكين”.

من البديهي، في هذا المجال، البحث في أهميَّـة الإعلام السياحي، وفي ما يمكن أن تقدِّمهُ وسائل الإعلام إلى السياحة. فمن المؤكَّـد أنَّـه لا يمكن الحديث عن السياحة من دون إستِحضَار وسائل الإعلام. هذه الوسائل التي لا ينحصرُ دورها فقط بالإعلان عن البلاد التي يريد المعنيُّـون بالقطاع السياحي التَّـرويج لها، وإبراز التَّـسهيلات المقدَّمة للسائح فيها من فنادق، مَرافِق، أماكن أثريَّـة، وسائل ترفيهيَّـة، متاحف، وأسواق، وغيرها، بل في تحفيز الناس للسفر، وإثارة إهتمامهم به، عن طريق الفُضول الذي تزرعهُ وسائل الإعلام في نفوس قُـرَّائها، في سياق الحديث عن الأماكن السياحيَّـة المُراد الترويج لها. من هنا، نستطيع إثبات هذا التلازُم الحيوي بين الإعلام والسياحة، وحاجة كلٌّ منهما للآخر.

ولا ينحصر إهتمام وسائل الإعلام بالسياحة لجهة كون الأخيرة مادَّة إعلانيَّـة- إقتصاديَّـة تستفيد منها وسائل الإعلام ماديَّـاً، بل لأنَّ الناس تهتمُّ بالسياحة، التي باتت، في أيامنا هذه، “ظاهرة حياتيَّـة” لا بدَّ من تناولها وتسليط الضَّوء عليها. في حين أنَّ السياحة تحتكمُ إلى وسائل الإعلام لأنَّـها بواسطتها تستطيع أن تروِّج لبرامجها السياحيَّـة وتفتح آفاقاً جديدة لها بالتواصل مع المهتمِّـين بها.

وقد يتَّسـِمُ دور الصحافي في نقل الصورة السياحية بالإيجابيَّـة والسلبيَّـة على حدٍّ سواء. إيجابيـاً، قد تؤثِّـر مدينة معيَّـنة أو معلَماً سياحياً بارزاً في نفس الصحافي ليكتب عن جماليَّـة الصورة التي إجتذبته. ولكن قد تضطلع وسائل الإعلام أيضاً بدور “غير إيجابي” في الترويج السياحي، خاصَّـة في بعض البلدان التي تشهد تفجيرات وإضطرابات وحروب. وهنا، لا تقع مسؤولية “تشويه” الصورة السياحية على الصحافي الذي ينحصر دوره في رسم هذه الصورة بالكلمات كما هي، أو التركيز على جماليَّـتها فقط. إن الصورة السياحيَّـة “المشوَّهة” أو السلبية هي من صنع الحكومات وليس وسائل الإعلام، “فالبلاد المحكومة بطريقة صحيحة، هي البلاد الصالحة للسياحة”.

وبعيداً عن التحقيقات الصحافيَّـة- السياحيَّـة التي تبدأ من أثرٍ خلَّـفه مكان ما في نفس الصحافي، يمكن أن تهتم وسائل الإعلام بعرض العديد من الأفلام الوثائقية التي تُـظهِر جمال أي بلد وتروِّج له، كما يتوفَّر في الإعلام العديد من الملاحق السياحيَّـة والصفحات الإعلانيَّـة عن أماكن سياحيَّـة عدَّة، وتكون بأغلبها ذات طابع إعلاني إقتصادي تجاري بَحت.

من هنا، لا تنحصر العلاقة بين الإعلام والسياحة بالجانب المادي فقط، بل تقوم بعض وسائل الإعلام بتخصيص صفحات وتحقيقات وبرامج سياحيَّـة تقدِّمها كخدمة مجانيَّـة لقرَّائِـها ومشاهديها ومستمعيها على أساس غير تجاري. وهذه المواد السياحيَّـة تقوم وسائل الإعلام بالإنفراد بها، وصياغة نصِّـها تِبعاً لهوى قرَّائِـها، بعيداً عن توجُّـهات “رجال السياحة” وإعتباراتهم الإقتصادية. وهذا ما يؤكِّـد الإهتمام الإعلامي المتزايد بالقطاع السياحي، وتحوُّل المـادَّة السياحيَّـة إلى نصٍّ أو صورةٍ إعلاميَّـة قابِـلة للحياة ومُحاكاة الجماهير- السوَّاح في ظلِّ جنُوح الإعلام إلى الكمال والشموليَّـة، وتحوُّلـه إلى أداةٍ تثقيفيَّـة توجيهيَّـة وليس إخباريَّـة ترويجيَّـة فقط.

فالمعنيُّـون بالقطاع السياحي يطلبون من وسائل الإعلام التَّـركيز على جماليَّـة بلد ما، وإبراز سحر مَعالِم قد لا تكون كذلك، في حين أنَّ وسائل الإعلام تقتحم العالم السياحي لتكتشف أماكن ومناظر ومَرافِق لم يتم التطـرُّق إليها إعلامياً من قبل. وما بين هذين الهدفين، تنشأ العلاقة بين الإعلام والسياحة، ويبرز دور وسائل الإعلام في الدخول إلى العالم السياحي والتَّـرويج له وإثبات حضورها فيه، رغم أنَّـها لن تستطيع أن “تخدُم” المهتمِّـين بالقطاع السياحي لترسم صورة لأماكن ومَعالِم تفتقر للجمال، لأنَّ الصحافة، كما السياحة، رسالة لها وَقعُها وصدقيَّـتها لدى الجمهور، بعيداً عن الحسابات الإقتصاديَّـة.

يُعوَّل على وسائل الإعلام أن تضطلع بدورٍ وطني إزاء السياحة، فتخدمها وتروِّج لها في الداخل والخارج، دون أن يعني ذلك خضوع الصحافة لرقابة الحكومات وذلك بالإمتناع عن نشر كل ما قد يُـزعج السائح، للمحافظة على “البيئة السياحيَّـة المناسبة” في البلد، لأن ذلك قد يُـفقِد الصحافة صدقيَّـتها تجاه جمهورها. فمن مسؤولية وسائل الإعلام تسليط الضوء على أيِّ سوء قد يؤثِّـر على السياحة، وذلك بهدف تصحيحه، للمحافظة على إشراقة الصورة السياحيَّـة في البلد، وخَلق الجو السياحي الحقيقي والمناسب للسائح، واقعياً وليس إعلامياً فقط.

إن السياحة هي أمانة ملقاة على كتف “رجال السياحة والسياسة والإعلام”. فوسائل الإعلام لن تتمكن وحدها من أن تخلق بيئة مناسبة للسياحة إن لم تكن هي كذلك، ولن تقدم للسياحة ما لا تستطيع هي أن تقدمه لنفسها، ولن تقدر أن تُـلوِّن واقعاً هو بالأساس بالأبيض والأسود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.