الضوء الأحمر..   كيف اختار شريك الحياة… بقلم-د. سحر فؤاد

 

من المعلوم أن أي بناء قبل أن نشيده نضع له الأساس والقواعد حتى يصبح هذا البناء آمن وصالح للسكن فيه ، ومتانة هذا الأساس هي الضامن لصمود البناء أمام الأعاصير والعواصف التي تتجه نحوه . كذلك الأمر بالنسبة للزواج لابد وأن يؤسس على قواعد متينة تمكنه من مواجهة عواصف أي خلافات تهب على الحياة الزوجية وقد تتساءل عن هذا الأساس وقواعده ؟ الإجابة ببساطة : الأساس هو أن تحدد بادئ ذي  بدء ماهي الإحتياجات التي تريدها من الطرف الآخر ؟ وماهي الصفات التي يجب أن يتحلى بها شريك حياتك ؟

 لذا يعد هذا الأساس متعلق بك أنت . صحيح أن لكل فرد منا إحتياجات تختلف في أهميتها وأولوياتها من إنسان إلى آخر إلا أننا جميعاً نشترك في جزء كبير من هذه الإحتياجات ، والفارق في ترتيبها ومنها على سبيل المثال : الحاجة إلى الوضوح ، الحاجة إلى الحب ، الحاجة إلى التواصل ، الحاجة إلى ترتيب والنظام ، الحاجة إلى المسئولية ، الحاجة إلى الأمن ، الحاجة إلى التفاهم ، الحاجة إلى المساندة ، الحاجة إلى الإعتراف بالفضل ، والحاجة إلى …………..

وكذلك الأمر في صفات شريك الحياة وهذه الصفات منها الخارجية المتعلقة بالشكل والهيئة ومنها الداخلية المتعلقة بالخصال و القيم التي يتحلى بها الشريك مثل الكرم ، المرح ، الصبر ، التحمل ، البشاشة………….

وكما أنك حددت الصفات الإيجابية عليك أيضا أن تحدد ماهي الصفات السلبية التي تعتبر بالنسبة لك بمثابة ضوء أحمر إن وجدت في شريك حياتك تحذرك من الإقدام على إتمام  تلك الخطوة ، وماعليك بعد معرفة إحتياجاتك ، والصفات المرغوبة والغير مرغوبة في شريك حياتك إلا أن ترتب ذلك من الأهم فالمهم ، فالمرغوب ، فالمفضل ، فالمستحب ، فالمرفوض بالنسبة لك ، لأنه كما سبق وأشرت أن هذا الترتيب يختلف من فرد لآخر ، هذا بالنسبة للأساس الذي ستضع عليه  القواعد . أما القواعد فهي تتعلق بالطرف الآخر وعليك أن تقيس عدة جوانب لديه لترى مدى التوافق بينكما ، وعندما نتحدث عن التوافق لا نعني التطابق ؛ ولكن مدى التناغم والإنسجام بينكما في هذه الجوانب الخمس .

الجانب الأول هو الجانب العقلي فمن المهم لكل طرف أن يتعرف على طريقة تفكير الطرف الآخر والمنهجية التي يبنى عليها تفكيره ،  هل هو عقلاني أم هوائي ؟ ذو عقلية متفتحة ومرنة أم منغلقة وضيقة ؟ هل هو مؤمن بثقافة الحوار أم أن الرأي رأيه والصواب دائما معه ؟ هل هو يتقبل مبدأ الإختلاف في الرأي وأن هذا الإختلاف لا يفسد للود قضية أم عندما يختلف يقلب عليك الطاولة رأسا على عقب ؟

هل لديه طموح ويقدر إمكانياته وقدراته وملكاته بشكل واقعي أم إن طموحه مزيف تماما مثل بيوت الرمل التي عندما تلاحقها الأمواج تأخذها بعيداً عن أرض الواقع ؟ وأيضا حدد الكيفية التي يعالج به المشاكل التي تواجهه وإذا ماكان لديه القدرة على مواجهة التحديات وإيجاد الحلول المناسبة لها أم لا ؟

وقد تتساءل كيف لك أن تعرف هذا ؟ الأمر ببساطة من خلال التواصل والحوار المتنوع المفتوح حول الأسرة ، العمل ، الأصدقاء فكل إنسان لديه رصيد من العلاقات التي يتمتع بها مع من حوله ،  هذا النوع من الحوارات من شأنها أن تكون بمثابة كشافات النور تكشف لك الضوء عما تبحث عنه ، وبعد ذلك أعط لهذا الجانب درجة ما من عشرين درجة ، وضع ذلك جانبا .

أما الجانب الثاني يتمثل في الجانب النفسي : الذي يعبر عن مدى الإتزان النفسي والسلام الداخلي الذي يملكه تجاه الأمور الحياتية العادية أو عند الأزمات والخلافات ، فردود الأفعال تختلف من فرد إلى آخر بناءًعلى مدى سلامة بنيته النفسية لذا عليك أن تقيس ذلك في مختلف المواقف لتحدد هل يتعصب لدرجة أنه يعصف بمن حوله أم هادئ ومتزن أم  بارد مثل برود الجليد ؟ وأيضاً حدد إذا كان متفاءل أم متشائم ؟ محَبط ومحِبط لمن حوله أم يملك بداخله قوة الأمل ؟ هل هو شخصية انهزامية أم لديه روح الصمود تجاه من يواجهه ؟ هل يحسن الظن بمن حوله أم يسئ الظن ؟ هل يثق بنفسه أم مهزوز ومضطرب ؟ هل يحمل في قلبه المحبة لمن حوله أم يحمل أحقاد وغيره ؟………

فردود الأفعال تلك من شأنها أن تؤثر على حياتكما المستقبلية إذا تم الإرتباط ، لذا لا تغفل أبداً هذا الجانب أو تستخف بوزنه فهو النصف الآخر للجانب العقلي المكمل للحكمة التي نحتاجها عند معالجتنا لأمور الحياة المتنوعة  .

ثالثاً : الجانب الإجتماعي الثقافي :  للأسف يراه البعض منا غير مهم لدرجة أنه إذا إعترض أحد الأهلين على أهل الطرف الآخر ، تجد العبارة الشهيرة : أنا سأتزوجه ولن أتزوج أهله !!!! 

في الواقع أنت تخدع نفسك وإذا قالها أحد لك فهو أيضاً يخدعك. من المعلوم أنه يجب  أن يكون هناك درجة من التقارب الإجتماعي المقبول بين أهل الزوج وأهل الزوجة ، هذا من شأنه أن يحدث تناغم بين الأهل وبين عائلة الشريك الآخر ، و يسمح لكما أن تعيشا سويا حياة تخلو من ضغوط الأهل عليكما فتكونا ممزقين بين الجهتين ، وللأسف الشديد إختفاء هذا التناغم قد يصل بالعلاقة إلى باب المأذون أو تضطر لأن تعيش حياة تضغط عليك لإعتبارات ما مثل وجود أولاد أو ماشابه ذلك ، وكما أشرت سابقاً التناغم والإنسجام لا يعني مطلقاً التطابق والتماثل بقدر مايعني القبول والإحتواء والتفهم . وأعط هذا الجانب درجة  ما من عشرين درجة ، وضعه جانبا .

رابعاً : الجانب العاطفي : هذا الجانب هو الجوكر  عند الإقدام على إختيار الشريك لدرجة أنه يكون أحيانا هو المسيطر فلا يفكر ولا يريد أن يفكر في أي جانب آخر سواه ، لأنه يرتدي نظارة وردية اللون تجعله يرى الحياة بلون وردي ويشعر بقلبه يدق لمحبوبته لهذا لا يسمح لأحد أن يتحدث عن الطرف الآخر  ويذكر له أي صفة أو سمة سلبية وقد يصم البعض آذانه عن نصيحة الأهل له ، وللأسف ما إن يتم الزواج ويخلع طبعاً النظارة الوردية ليرى في الشريك أشياء لم يكن يراها من قبل ، ويشعر البعض أنه خُدع ، أو أن شريكه تغير بعد الزواج وأصبح إنساناً آخر غير الذي أحبه . وحقيقة الأمر أنك كنت في عالم الحب والخيال ولم تكن في أرض الواقع ، ولم تقيس في العلاقة سوى هذا الجانب ، وأنا لا أنكر أهميته فهو جانب حيوي ومهم  وإكسير الحياة الزوجية ؛ ولكن يجب أن تراه في ضوء بقية الجوانب وتعطيه أيضاً درجة ما من عشرين درجة ، مثله مثل أي جانب مهما كانت درجة الحب بينكما وضعه جانباً .

وأخيراً : الجانب الذي قد يغفل الكثير عنه لدرجة أنه لا يأتي على الأذهان أصلاً عند الإقدام على خطوة مشروع الزواج وهو الجانب الروحي : وحقيقة الأمر أن هذا الجانب يمثل صمام الآمان في العلاقة الزوجية ، لأنه ببساطة سيراعى كل طرف حق الله في تلك العلاقة فلن يؤذي الطرف مطلقاً الطرف الآخر إن لم تتناغم العلاقة بينهما وإن حدث خلافات بينهما فلن يجور طرف على طرف لذلك يعد هذا الجانب هو حجر الزاوية في أساس العلاقة الزوجية ، فالإنسان الموصول بربه  سيراعى الله في الطرف الآخر ، ويوفى بحقوقه النفسية والروحية والجسدية والعقلية والعاطفية لذا لابد وأن يكون هناك قدر من التوافق بين الطرفين في هذا الجانب ، وأيضا حد أدنى لا تقبل بأقل منه ، وعندما أتحدث على الجانب الروحي فلا أعني التدين فحسب ، كما لا أعني أيضا تدين المظهر بل أعني تطابق بين الجوهر والسلوك والشكل الخارجي ، ويعتبر هذا الجانب بمثابة جانب البركة والنماء في العلاقة الزوجية لذلك لا تغفل عنه مطلقاً وأعط له درجة ما من عشرين درجة وضعه جانباً .

والآن عليك أن تقوم بعملية حسابية بسيطة بأن تجمع كل هذه النسب ومجموع هذه النسب يشير إلى مدى التوافق والإنسجام المتوقع في حياتكما المستقبلية ، وإذا كان المجموع أقل من 75% فأنت بحاجة إلى إعادة النظر في القدوم على تلك الخطوة مع هذا الشريك ، أو تقوم بإحداث تغيرات مع الشريك لتزيد درجة التوافق بينكما  ، ولا تخدع نفسك بأوهام زائفة مثل أنه بعد الزواج سيتغير ، فهذه الحياة حياتك أنت ولن يعيشها سواكما وإن كان الأبناء هم الذين يدفعون ثمن خداعكم لأنفسكم أو لشريك حياتك . وأخيراً أقول لك استخر الله ثم امض على بركة الله .

وكلمة أخيرة ، أريد أن أهمس بها في الآذان : استمع لآراء من حولك في شريك الحياة وضع هذه الآراء تحت الدراسة لتحدد الصواب منها والخاطئ ، فمن حولك قد يملك بخبرته مايجعله يرى مالا تراه أنت إذا كان متجرداً .  ولكن إحذر من أن تغفلها ، فهناك أناس كثر قد ندموا لأنهم لم يستمعوا لنصائح وآراء من حولهم ، ولكن للأسف فات الوقت ولم يعد ينفع الندم .

وللحديث بقية عن فترة الخطوبة والخطوط الحمراء.

 

  1.   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.