الحياة عن بُعد!… بقلم – مختار محمود

صنع فيروس “كورونا المستجد، واقعاً جديداً، كثيرٌ من تفاصيله سيئة، وبعضها ينطبق عليه القول المأثور: “رُبَّ ضارة نافعة”، ومن صوره وأشكاله: نظام “الحياة عن بُعد”. أنتَ الآن، شئتَ أم أبيتَ، على نظام: “الحياة عن بُعد”، هذه رسالة مُسجلة، قد تتلوها رسائلُ أخرى مشابهة، فى ظل ما يتردد عن احتمالية تجديد حظر التجول، وحتى بعد زوال الحظر، فإن هذا لا يعنى زوال الخطر بشكل كامل. “كورونا” ضيف ثقيل لن يرحل سريعاً، وقد يستغرق تصنيع دواء ناجع له عاماً أو أكثر، كما يقول المختصون. من المؤكد أن كثيراً منا سوف يحرص على نظافته الشخصية، تلك العادة التى اتخذها بعضنا سخرياً وهجروها، لن نتعايش مع مظاهر القبح من حولنا مثل: أكوام القمامة أو دورات المياه غير المعقمة. بعضنا قبل “كورونا” كان يردد فى استخفاف وسماجة: إنه لا يهوى العيش فى مكان مرتب أو نظيف. الآن.. معظم من يترجلون فى الشوارع والطرق مكممون ويحمون أياديهم بقفازات، وبعضهم يحملون فى جيوبهم زجاجات الكحول والكلور. كان يستحيل قبل “كورونا” أن تدخل دورة مياه فى مؤسسة حكومية أو خاصة وتجدها على ما يُرام. لم يكن الأمر يخلو من أولئك الأشخاص الذى يبصقون فى الشوارع والطرقات. كنت نكتب على جدران المدارس وأغلفة الكتب الدراسية: “النظافة من الإيمان”، وسط تلال من القمامة خارج المدرسة، وأحيانا داخلها. فى السنوات الأخيرة وصلنا إلى مرحلة متقدمة جداً من كراهية النظافة والنفور منها. بعد “كورونا” سوف يحرص معظم المصريين على نظافتهم الشخصية، ونظافة الأماكن التى يترددون عليها، لن تتلذذ عيونهم برؤية القمامة وبرك مياه الصرف الصحى والتعايش معها، كما سوف يحرصون على تحرى مأكلهم ومشربهم، خوفاً على صحتهم، وهذا -فى حد ذاته- مكسبٌ لو تعملون عظيم. لقد فشلت الأسرة والمدرسة ودور العبادة، عبر عقود متتالية، فى تنشئة أجيال تتخذ من النظافة البدنية عقيدة راسخة، حتى وصل الأمر بالقاهرة إلى أن تكون يوماً الأكثر تلوثاً على مستوى العالم. النظافة الشخصية يجب أن يواكبها مستوى آخر من النظافة النفسية. الإسلام حرص على النظافة النفسية حرصه على النظافة الشخصية. ما أكثر النصوص الدينية الآمرة باجتناب الحسد والغل والحقد على الآخرين، والابتعاد عن الغش والتدليس، واحترام خصوصية الآخرين وعدم التطفل عليهم، وما أروع القاعدة الشرعية: “من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. ولو طبق كل منا هذه القاعدة بتجنب التلصص على خصوصيات الآخرين والتطفل عليهم، فإن ذلك سوف يكون مكسباً آخر. إذا وضعت “كورونا” أوزارها، أو بعضاً من أوزارها، فى القريب العاجل، وأصبحنا مجتمعاً نظيفاً بدنياً ونفسياً، وابتعد كل منا عن حياة الآخر، وانشغل بنفسه عن غيره، فإننا نكون بذلك قطعنا شوطاً كبيراً فى ترميم الشخصية المصرية التى أفسدتها ظروف وعوامل كثيرة لا تخفى على أحد، هيا بنا نعترف بأخطائنا، فالاعتراف بالحق فضيلة، وليبدأ كل منا من اليوم وليس غداً مرحلة عنوانها: ” فى الحياة عن بُعد فوائد لا تُعدُّ ولا تُحصى”.. ابعدوا تصحُّوا..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.