التنوير.. على مذهب “سما المصرى” بقلم – مختار محمود

ما بينَ وصف “إبراهيم عيسى” للشيخ “الشعراوى” بـ “الرجعيِّ المُتخلفِ المُتطرفِ”، والطعنِ المُستمر لـ”خالد منتصر” في الدكتور “الطيب”، وتهكم “إسلام بحيري” على الأئمة الأربعة وأئمة الحديث، وتلقيب “أحمد بن حنبل” بـ “حمادة بن حنبل”، وادِّعاء أحد السفهاء بأنَّ الصلاة ليستْ عماد الدين، وتجرؤ حمَّالات الحطب وشمطاوات الخمارات وعِلب الليل وصديقات أبليس على ضوابط الإسلام في التعامُل مع النساء.. تدورُ مِحنة التنويريين الجُدد، إذا اعتبرناهم مَجازًا “تنويريين”، وليسوا أدعياءً ومرتزقة!
والسؤالُ: هل التنويرُ مرادفٌ للسبِّ والشتم والقذفِ والتهكم والغمز واللمز والاستظراف والتنكيت، وهل حتى تكونَ تنويريًا يجبُ أن تكونَ داعية للانحلال؟
الإجابة نجدُها عندَ أستاذ الفلسفة القدير الدكتور “حسن حنفي”، وهو أبرز المحسوبين على “تيار التنوير الحقيقي”، حيث يؤكدُ الرجلُ- أمدَّ اللهُ في عمره ومتَّعهُ بموفور الصحة والعافية- أنَّ هناك فهمًا مغلوطًا لمفهوم “التنوير” عندَ البعض، ممن يرون أنفسَهم أصحابَ فكرٍ مُختلفٍ ومُتفرّدٍ، مُشدّدًا في الوقت ذاته على أنَّ أشدَّ الناس إظلامًا وظلامًا يعدُّون أنفسَهم تنويريين، وهو ما أساءَ إلى “التنويريين الحقيقيين”…” وشَهِدَ شاهدٌ من أهلِها”.
“أيها التنويرُ.. كمْ من الجرائم تُرتكبُ باسمِك؟!”.. هذه العبارة منسوبة إلى الفيلسوف الفرنسي “فولتير” الذي عاشَ بين عامي 1694- 1778، عندما لمسَ إفراطًا وتفريطًا في سوء استخدامه، وربما لو كانَ الرجلُ حيَّا الآنَ لاعتزل الفلسفة والتفكير، وآوى إلى ركنٍ بعيدٍ، أو اشتغلَ مُحللًا رياضيًا أو ناقدًا فنيًا؛ فالفارقُ بين التنويريين الحقيقيين قديمًا، وبين مرتزقة وصبيان وسماسرة التنوير الآنَ، هو الفارق ذاتُه بينَ زمن “أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم” من ناحية، وبين مُطربي المهرجانات من ناحية ثانية، أو بين رائعة “الأطلال”، وبين كليب “أحمد الشبشب ضاع” لصاحبته “سما المصري”!
ما التنويرُ؟ سؤالٌ طرحه الفيلسوفُ الألمانيُّ “كانط” الذي عاش بين عامي 1724 – 1804، ليجيبَ بنفسه عنه قائلًا: “التنويرُ هو الاعتمادُ على العقل في الفهم والسلوك، لا على الانفعالات أو الأهواء”، وهو النقيضُ تمامًا لما نقرؤه من كتاباتٍ محسوبةٍ على “التنوير”، حيث يغيبُ عنها العقلُ، ويسيطرُ عليها الغرَضُ، والغرضُ مرضٌ، والهوى آفةُ النفسِ.
يبدو أنَّ الفلاسفة المُتقدمين كانوا مهمومين بوضع تعريفٍ دقيقٍ للمصطلح وتنزيهه وتجريده مما يكتنفه من الفهم المغلوط والمرتبك والسيئ، فقد فعل الأمرَ نفسَه: “ديكارت” و”هيجل” وغيرُهم كثيرون؛ لأنهم توافقوا على أنَّ “التنوير” منهجٌ للتفكير وإعمال العقل، وليس وسيلة للسجالات الرخيصة، والتلاسنات البذيئة، وساحات للردح، وادعاء الفهم والذكاء والمعرفة، ووصم الآخرين ومن يختلفون معهم بضعف العقل وسوء الفهم.
“التنويرُ” لا ينبغي أنْ يكونَ سلاحًا ضدَّ الرأى الآخر، ولكن يجبُ أن يكونَ حوارًا مع الآخر، والوصول إلى رأى مُشترك؛ فلا أحدَ يملكُ الحقيقة المُطلقة، وليس هناك بشرٌ معصومون من الخطأ والزلل، فكلُّ إنسان يؤخذُ منه ويُردُّ، حالَ إذا ظلَّ النقاشُ هادئًا ودودوًا وقورًا مُحترمًا، وهذا لا يحدثُ حاليًا؛ لأنَّ النوايا ليستْ صادقة، والضمائر شائهة، والأفئدة موبوءة، والأحبارُ ممزوجة بالأغلال والأحقاد.. ” ولا يحيقُ المكرُ السيئُ إلا بأهله”.
الاشتغالُ بالتنوير عندَ معظم التنويريين المُعاصرين، يُشبه اشتغال بعض المُعمَّمين بالدين، حيثُ يجمعُهم البحثُ عن المال وحبُّه حبًا جمَّاً واكتنازُ الثروة، وشهوة الشهرة وتصدُّر المشهد، كما إنه لا يختلفُ كثيرًا عن سلوك “المُسجلين خطراً” أو العاملين في “عِلب الليل”، حيثُ التباهي بالخطأ والتسفيه من المُستمسكين بالدين القويم والأخلاق الرفيعة.. “أخرجوا آلَ لوطٍ منْ قريتِكم، إنَّهم أناسٌ يتطهرونَ”!
ما تقدمُه الصحفُ والبرامجُ التليفزيونية محسوبًا على “التنوير”، ليس تنويرًا، ولكنه بضاعة عَفنة راكدة غيرُ صالحة، لا هدفَ لأصحابها إلا التجارة والمكسب والربح ومغازلة كارهي الإسلام، وادَّعاء البطولة، والاستقواء بالآخر واستجداؤه، وتهوين أمر الدين، وتقزيم العلماء وتشويههم، وإشاعة الفوضى والانحلال ونشر قيمٍ سلبيةٍ بينَ أفراد المجتمع.. “لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ”.
التنويرُ ليس مرادفًا للكفر والإلحاد، ولا يعني إهالة التراب على الثوابت الدينية، ولا التهكمَ على الراسخين في العلم، ولا تحويلَ الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصَّات للسب والقذف لمن يخالفوننا الرأي، ولكنه يعني إعمالَ العقل، وتشغيلَ حاسة التفكير واستنهاضَها من الكسل والنوم العميق والإيمان بالقديم على عواهنه، والتجادُل بالحُسنى.
التنويرُ اتجاهٌ عقلىٌّ مستقلٌ لا شأن له بالنظام السياسي، ولا يُستعمل سلاحًا ضدَّ الحاضر، بل فقط ضدَّ الماضي لفكّ أسْر العقل مما يُقيده من تقليدٍ وتبعيّةٍ للسلطة التاريخية، دينيةٍ أو سياسيةٍ، معَ التسليم بأنه ليسَ كلُّ رأي قديم سقيمًا، ولا كلُّ رأي جديد سليمًا.
التنويرُ اتجاهٌ نقدىٌّ لكل ما يضادُّ العقل، وهو الوسيلة المُثلى للحوار بين الثقافات، وعدم العداء لأحدٍ منها؛ إذ إنَّ المُشتغلين بالتنوير، في هذا العصر، اتخذوه وسيلة للاسترزاق وتحقيق الشهرة، على غرار الرجل الذي بالَ في بئر زمزم؛ حتى يعرفَه الناسُ.
التنويرُ الحقيقىُّ والصادقُ ليس إلحادًا أو كفرًا ولا انحلالًا ولا فوضى، ولا إنكارًا للوحيِّ والقرآن الكريم والنبوَّات، ولا كسْرًا للثوابت، ولا تجرؤًا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا طعنًا في أصحاب القامات السامقة والشامخة من أهل العلم، ولا دعوة لاقتراف الحرام على ناصية الطريق، ولا انحيازًا لدياناتٍ أرضيةٍ على حساب أديان السماء.
أيها التنويريونَ، ومَن تحسبون أنفسَكم على التنوير بُهتانًا.. تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ، طهّروا قلوبكم، هذَّبِّوا ألسنتكم، نظفوا أقلامَكم من مداد الغلّ والحقد، ولا تنتظروا أنْ يقابلَ القومُ تجاوزاتِكم وشتائمَكم وسخافاتِكم واستظرافَكم ثقيلَ الظل، بالصمت والتجاهل والتغافل والتسامُح.
إنْ كنتم تبحثون عن الحقيقة ولا شئَ غيرها، فأهلًا ومرحبًا بكم، أما إذا جعلتم الأمرَ استظهاراَ لسوء الأدب وطول اللسان، ومغازلة للخارج واستقواءً به، فلا أهلًا بكم ولا مرحبًا، وسوف يكون لكلِّ حادثٍ حديثُ، ولكلِّ فعلٍ ردُّ فعلٍ، وسوف تقرؤونَ وتسمعونَ حتمًا ما لا يسرُّكم. . أَلاَ لاَ يَجْهَلَـنَّ أَحَـدٌ عَلَيْنَـا، فَنَجْهَـلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَ
وأخيرًا.. إنى أعظكم ألا تكونوا ممن قال اللهُ فيهم: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ. ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ، وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ”..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.