التنظيمات المتطرفة والارهابية و تأثيرها الفكري ..بقلم -د.عادل عامر

فإن أي سياسة أو استراتيجية ناجحة لمكافحة أفكار التطرف وممارسة العنف والإرهاب ينبغي أن تنبني على فهم دقيق للأسباب التي تدفع الأفراد والجماعات إلى انتهاج هذا الطريق والعوامل المؤثرة عليه، وأن هذا الفهم هو ضمانة أن تحقق تلك السياسات والاستراتيجيات أهدافها وغاياتها. تنمو الحركات الإرهابية المنتشرة في عدد من الدول الأفريقية في بيئات جاذبة، إذ لم تستطع السلطات المتعاقبة، منذ حقبة الاستقلال والتحرر من الاستعمار، تثبيت وتوطيد دعائم الدولة القوية مما سمح بانتشار أسرع لـــ«فرق وجماعات الموت»

 التي تستغل ضعف الأنظمة السياسية وعوامل التهميش الاقتصادي والسياسي والصراعات القبلية والإثنية، وتعقيد التركيبة الاجتماعية وتداخلاتها، وتوسع أطر التداخل بين الدين والقبيلة والأيديولوجيا والإثنية؛ كل ذلك وغيره يتطلب دراسة ظاهرة الإرهاب في أفريقيا في سياقات مغايرة لأساليب الفهم التقليدي، فأنشطة الحركات الإرهابية لا تقتصر على تنفيذ الأجندة الدينية والسياسية، إذ تتقاطع مع تعقيدات التركيبة القبلية وفشل سياسات الاندماج الاجتماعي، أي غياب أو عدم قدرة الحكومات على تحديث البنى المجتمعية، مما آل وساعد على تفجر الصاعق الإرهابي وانتشار جماعاته.

الحركات الإرهابية في عدد من الدول الأفريقية، فيسعى إلى تحديد الظروف التاريخية والعوامل الاجتماعية والسياسية والإقليمية المساعدة على ظهورها، مما يسمح بتشكيل فهم أعمق حولها بهدف وضع استراتيجيات قادرة على النفاذ إلى جذور المشكلة الإرهابية، خصوصاً أن الدول الأفريقية ليس لديها رؤية استراتيجية موحدة أو مشتركة لمكافحة الإرهاب.

إن «التركة الاستعمارية» في أفريقيا خلفت وراءها آثاراً سلبية كان لها تداعيات شديدة الخطورة على النسيج الاجتماعي والقبائلي والاثني، فأصبحت الدول الأفريقية عرضة لاستقبال الحركات المتطرفة نتيجة «الإرث الاستعماري» دون نفي العوامل الداخلية الأشد تأثيراً في انتشار التنظيمات الدينية المتطرفة بشقيها الإسلاموي والمسيحي. لقد بيَّن الكتاب «أن فشل النخب السياسية الأفريقية في إدارة التنوع والموارد، وبناء الدولة وتحقيق الاندماج الاجتماعي، وتحقيق طموحات الشعوب الأفريقية بعد الاستقلال» فاقم من الإرهاب،

 فلا بد من وضع خطط تنموية واجتماعية تؤدي إلى تحديث المجتمعات والنهوض بها باتجاه الانسجام العام، وتكريس الثقة بالدولة ومؤسساتها مع ما يتبع ذلك من تطبيق للعدالة الاجتماعية والشفافية السياسية ومحاربة الفساد، ووضع استراتيجيات مشتركة بين الدول المعنية لمحاربة الإرهاب. وفي هذا السياق تقترح الدراسة الأولى بناء منهج مزدوج «يجمع بين القوة الخشنة والقوة الناعمة؛ أي البحث عن الخيارات الأخرى لتجفيف منابع الإرهاب»، بدل الاكتفاء فقط بالعمليات العسكرية، يرافق ذلك التأسيس لاستراتيجيات أفريقية موحدة وشاملة، على أن «تعكف على ذلك لجنة من الخبراء يشكلها الاتحاد الأفريقي. وأن تشمل جهود اللجنة مقترحات لتوحيد التكوينات العسكرية الإقليمية في القارة مثل مجموعة حوض بحيرة تشاد ومجموعة الإيكواس».

درس الكتاب «الجماعات الإرهابية» في عدد من الدول الأفريقية من بينها: جمهورية أفريقيا الوسطى، ونيجيريا، وموزمبيق، والصومال، ومالي، وأوغندا، آخذاً بالاعتبار عوامل النشأة والأيديولوجية ورقعة الأنشطة الإرهابية. وفي المقابل قدم تحليلاً وافياً حول المؤثرات التي تتركها المنظومات القبائلية والإثنية والدينية، سلباً أو إيجاباً، في مجمل الظاهرة الإرهابية العابرة للحدود، إلى جانب الظروف الإقليمية والدولية.

تعتبر حركتا «إكس سيليكا» الإسلامية و«أنتي بلاكا» (مقاومو المناجل) المسيحية في جمهورية أفريقيا الوسطى من أكثر الحركات الدينية دموية، وتتبنى الحركتان أيديولوجية دينية متطرفة، فالأولى تأخذ بأكثر الآراء الفقهية الجهادية منزعاً نحو العنف «فترى أن الإسلام شريعة حرب» ولا بد من مقاتلة كل جماعة «كافرة» لا تتوافق مع «قيم الإسلام» وفق خلاصاتها، ومن بينها شنّ العمليات الإرهابية على المسيحيين؛ والثانية توظف آيات من الإنجيل خارج سياقها التاريخي لتبرير أعمال العنف ضد المسلمين. لم تكن الأهداف الأساسية للدراسة التي تطرقت إلى هاتين الحركتين وضع نظرة عامة حول النشأة والأيديولوجيا والعنف المتبادل بينهما فحسب، وإنما محاولة تقديم بانوراما واسعة تشمل المعطيات الداخلية والخارجية المؤثرة، يضاف إليها المبادرات التي تقوم بها دول الجوار للحد من انتشارها والقضاء عليها على الرغم من الانتكاسات التي مُنيت بها.

 

ولا تقل درجة خطورة التنظيمات الجهادية المنتشرة في مالي عن بقية الدول الأفريقية الأخرى، بالإضافة إلى استنادها للأبعاد الدينية المتطرفة، فهي على علاقة مع تنظيمات إسلاموية أخرى، نذكر -على سبيل المثال- «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» التي تُعد امتداداً للجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، و«حركة أنصار الدين» التي تأسست من قبل إياد غالي عام 2011، وكتيبة «المرابطون» التي ولدت عام 2013 من اندماج جماعة «الموقعون بالدم» بزعامة مختار بلمختار، مع «حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا».

 وفي حالة نيجيريا شكلت «بوكو حرام» إحدى النماذج الأكثر عنفاً بين التنظيمات الجهادية في القارة الأفريقية، وقد عمل الكتاب على الإحاطة بالظروف التاريخية لبروز هذه الجماعة المتطرفة، محدداً النظريات الساعية إلى تفسير نشأتها على مستويات مختلفة، من ضمنها البعدان الاقتصادي/ الاجتماعي والديني.

 

وقد استطاع النظام السياسي المصري في عهد الرئيس الأسبق “مبارك” حصار الجماعات الإرهابية التي مارست الإرهاب المنهجي المنظم ضد المصريين والأجانب فقد قبض على قيادات وأعضاء هذه الجماعات وحاكمهم على ما اقترفوه من جرائم.

غير أنه نشأت في السجون والمعتقلات المصرية حركة من قبل قادة هذه الجماعات لممارسة النقد الذاتي لما اقترفوه من جرائم باتفاق مع الجهات الأمنية. وأصدرت جماعة “الجهاد” وثيقة بعنوان “ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم” أشرف على صياغتها أحد أبرز قيادتها وهو الدكتور “فضل” كما أن “الجماعة الإسلامية” أصدرت أكثر من عشرين كتيبا في النقد الذاتي أشرف على تحريرها “كرم زهدي” ومجموعة من قيادات الجماعة. : إن السر الحقيقي في الفشل السياسي للإخوان المسلمين في حكم مصر ليس مجرد عجز الرئيس عن إدارة البلاد كما يفعل أي رجل دولة حقيقي، ولا فشل الوزارة الإخوانية في  حل المشكلات الجسيمة التي تواجه المجتمع، ولكن هو في العقل التقليدي العاجز عن مواجهة مشكلات الواقع بطريقة علمية.

 ومن ثم يمكن القول على سبيل القطع: إن تيار الإسلام السياسي في العالم العربي بعد صعود كل من جماعة الإخوان المسلمين في مصر وحزب النهضة في تونس إلى السلطة، يمر الآن بأخطر اختبار تاريخي في حياته الممتدة.

هما الإطار المرجعي للوثيقة، وآلية التأويل المنحرف للآيات القرآنية، لإسباغ الشرعية على إرهاب جماعة “الجهاد”. والوثيقة على الرغم من أنها محاولة في النقد الذاتي الذي يعنَى نقد الأساليب الإرهابية التي طبقتها الجماعة، فإنها – ويا للمفارقة-تؤكد على مجموعة من الأفكار والمبادئ التي تبرر التطرف وتؤسس لشرعية الإرهاب! في الإطار المرجعي للوثيقة أربعة أفكار رئيسية هي الإعلاء من شأن الخلافة الإسلامية، ورفض الحداثة الغربية، وتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية بدلا من التشريعات الوضعية، وتتبنى نظرية متكاملة في تكفير غير المسلمين. وهي لم تعترف بأخطائها إلا مرة واحدة حين ذكرت أن تطبيق فكرة “الجهاد” بصورة خاطئة أدى إلى كوارث لا حدود لها.

ولعل الفكرة الجوهرية الأولى هي النظر إلى الخلافة الإسلامية نظرة مثالية تؤدي في النهاية إلى تقديسها والحلم باستعادتها. وهذه النظرة المثالية تفتقد بشدة إلى المنهج النقدي في تناول تاريخ الخلافة الإسلامية التي عاشت -على ما تقول الوثيقة ألفًا وثلاثمائة سنة-مرهوبة الجانب حتى سقوط الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، حين انفرط عقد المسلمين وضعفوا وتفرقوا شذر مذر.

وإذا تجاوزنا موضوع الخلافة الإسلامية، فإننا نجد في مقدمة الوثيقة إدانة مطلقة للثقافة الأوربية باعتبار أن العمل بقوانينهم (ويقصد الأوربيين) أدت إلى شيوع الفساد وانحلال الأخلاق في بلاد المسلمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.