إذاعة القرآن الكريم والفيديو المسيئ.. بقلم – مختار محمود

انتفض المنتفضون وغضب الغاضبون؛ بسبب فيديو مسيئ لإذاعة القرآن الكريم، وليس للقرآن الكريم. هؤلاء الغاضبون وأولئك المنتفضون لم يحركوا ساكنًا عندما تراجع مستوى أول إذاعة دينية وُضعت للناس فى السنوات القليلة الماضية على جميع الأصعدة، ولم يحتجوا عندما فرض وزير الأوقاف سطوته عليها، ولم يقدموا برنامجًا واحدًا يردون فيه على إفك خالد منتصر ولا تخاريف إسلام بحيرى ولا أكاذيب إبراهيم عيسى، ولا شطحات سعد الدين الهلالى. لا خلاف على سوء أدب صاحب الفيديو “محمد أشرف”، ومَن كانوا يضحكون ويصفقون له. بدا من محتوى الفيديو السطحى الساذج أن صاحبه انقطعت علاقته بهذه الإذاعة منذ سنوات، لعله كان يتحدث عن فترة الطفولة والمراهقة؛ لأنه جرى فى النهر مياهٌ كثيرة، وصار جسد المحطة العريقة مُثخنًا بالأوجاع والجراح والأورام الخبيثة. إذاعة القرآن الكريم الآن، ليس كما كانت؛ فقد اعتراها ما اعترى منظومة الإعلام فى مصر، ولكن مظاهر المرض فيها كانت ولا تزال أوضح. قبل الضجة الأخيرة..أظن أنه لا أحد كتب مثلى عن ضرورة إصلاح إذاعة القرآن الكريم. كنت أستشرف إرهاصات التردى والتراجع والتدنى على جميع المستويات، وعددتُها عدًا، ولكن لا حياء ولا حياة لمن تنادى.! السادة المتعاقبون والقائمون على أمرها لم يبذلوا جهدًا مشكورًا للإصلاح وتصويب المسار ولا يرغبون، هم يبحثون أولا عن مصالحهم الشخصية، ثم يرفعون فى استسلام وجهالة: “ليس فى الإمكان أبدع مما كان ومما هو كائن ومما سيكون”! كان ولا يزال هناك إصرار غير عادى على إفساد إذاعة القرآن الكريم، بقرارات إدارية عقيمة، وباستبعاد كفاءات حقيقية، وبمحتوى إذاعى باهت أدى فى النهاية إلى خروجها من اهتمامات المستمعين، بعدما كانت الإذاعة الأكثر استماعًا واهتمامًا واحترامًا وتقديرًا..بل وتبركًا!
ما يحدث بإذاعة القرآن الكريم هو انعكاس وإفراز طبيعى لما حلَّ بمنظومة الإعلام بشكل خاص، والإعلام الدينى بشكل خاص. لا نملك فى مصر إعلامًا دينيًا هادفًا على أى صعيد، رغم أن أبناء مصر هم أصحاب الأيادى البيضاء على الإعلام الدينى خارج الحدود، ولكن الفارق أنهم فى الداخل يتم تحجيمهم وإبعادهم وتشويههم وتجريسهم، وفى الخارج يحصلون على الفرص والتقدير الكاملين. إذاعة القرآن الكريم قدمت ولا تزال تقدم كوادر إعلامية متفردة، ولكن ماذا يفيد الموهبة عندما يتم تقييدها وتخويفها واستدراجها إلى ما لا يليق؟ هذه مفارقة أليمة بلا شك. لقد فصَّلتُ القول تفصيلاً فى مقالات سابقة عن أسباب انهيار إذاعة القرآن الكريم، وعزمتُ من قبل ألا أعود إليها مرة أخرى؛ حرصًا على مشاعر مذيعى الشبكة الذين يتحملون أوزار غيرهم، فهم أفضل ما فيها بما يملكونه من مواهب حقيقية وحضور طاغٍ، ولكن ليس بأياديهم أية حيل، فقد نفدت الحيل! إذاعة القرآن الكريم فى ورطة حقيقية، يجب التحرك الجاد والرسمى لتخليصها مما هى فيه. أنقذوا إذاعة القرآن الكريم، ليس من فيديو تافه هابط ولكن من المسؤولين عن إدارتها. ألم يأن أن تعود الإذاعة الأقدم إلى سيرتها الأولى، فتتخلص من تسييس برامجها. التسييس لا يقتصر على محتوى برامجها، بل امتد إلى مُقدمات الفترات الإذاعية والأمسيات والبث المباشر للمناسبات والفعاليات المختلفة. طهروها من إعلانات الينسون وما شابه التى تحولت إلى “بيزنس” يتصارع المذيعون عليه. توقفوا عن فرض قيادات ورؤساء لها من خارج جدرانها، فالتجارب الأخيرة أثبتت فشلاً ذريعًا. رغم أنها لا تزال تسبح فى عامها السابع والخمسين، إلا إن إذاعة القرآن الكريم تعيش منذ أربع سنوات على الأقل مرحلة مُتقدمة من الشيخوخة، التي يكونُ من أعراضها الخَرَفُ، حيث فقدتْ كثيرًا من بريقها الذي كان يُزِّينُها في مراحلَ استثنائية من تاريخها، وهجرها قطاعٌ كبيرٌ من المستمعين، وهو كُرهٌ لهم، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم!! خريطةُ برامج “شبكة القرآن الكريم”، تسكنُها النمطيةُ، التي تصلُ في بعض الأحيان إلى السذاجة، حتى أنها صارتْ تُشبهُ في مُحتواها، ما تقدمُه الإذاعاتُ المدرسيَّةُ، فالأفكارُ مُكرَّرةٌ، مُتشابهةٌ، سطحيَّة، مُثيرةٌ للشفقة حينًا، وسُخرية الساخرين أحيانًا، تقاطعُ الواقعَ كثيرًا، وتخاصمُ العقلَ أكثرَ. محتواها البرامجى لا ينبُضُ بالحياة، ولا يُسهمُ بـ”دورٍ تربوىٍّ ومعرفىٍّ وتنويرىٍّ” في المجتمع المُتراجع أخلاقيًا بوتيرةٍ متسارعةٍ، بل إنها تحولت بضيوفها وبرامجها إلى مادة ثرية للمتنطعين من مُدِّعى التنوير؛ ليزايدوا عليها ويتخذوها مطيَّة للطعن في الدين نفسه. غضبتم لأنفسكم، ولم تغضبوا للرسالة ولا للدين الذى يتعرض للهجوم ليل نهار من المُنخَنِقَة وَالموقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبعُ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.