مخاوف “مفيد فوزى”… بقلم – مختار محمود

من المؤكد.. أنَّ “مفيد فوزى” لم يكتبْ مقاله “شئ من الخوف”، الذى أثار جدلاً عارماً، خلال الأسبوع الماضى، بـ”دافعٍ وطنىٍّ خالصٍ”، ولكنَّ برجماتيته، ولا شئَ غيرُها، كانتْ الدافعَ الوحيدَ. القاصى والدانى.. يعلمانِ أنَّ “مفيد” لا يُفيدُ، ولا يلعب، منذ حمل حقائبه من “بنى سويف” إلى “القاهرة”، سوى لنفسه ولمصلحته الشخصية الضيِّقة فقط، ولم يتم ضبطه يوماً فى خندق المدافعين عن غيره، أو المناضلين من أجلهم. “مفيد” أهدر أكثر من نصف مقاله المذكور على تمجيد نفسه، وتعظيم خبراته، وكأنه أتى فى مجال الصحافة والإعلام بما لم تأتِ به الأوائلُ، باستثناء أنه ربما يكونُ هو الوحيد الذى ارتضى لنفسه أن يُوقِّع مقالاته باسم نسائى!
ورغمَ كلِّ ذلك، وغيره كثيرٌ، فلا بدَّ من الاعترافِ بأنَّ مقالَ “شئ من الخوف” حرَّكَ مياهاً كثيرة ظلت راكدة آسنة. الخوفُ أغمدَ أقلاماً، وأخرس ألسنةً، واغتال قلوباً من ناحيةٍ. ومن ناحيةٍ ثانيةٍ.. فإنَّ المهنة غدتْ بلا رؤوس ولا أساتذة مغاويرَ يدافعونَ عن حياضها ومحرابها وشرفها، ويناضلون من أجلها. كان آخرُ هؤلاء “إبراهيم نافع” رحمَه اللهُ تعالى. مَنْ توسمناهم كباراً آثروا السلامة، فمنهم مَن خضعَ وانبطحَ واختفى من المشهد نهائياً، ومنهم مَن انتظم فى القطيع وتحوَّل إلى خصم لزملائه من رفقاء المهنة، يتطاولُ عليهم فى مقالاته ويهددُهم فى مقالاته ويُخرجُ لهم لسانه فى جلساته، ومنهم دون ذلك. الموجُ كان عارماً أعلى من كل الرؤوس ولم يزلْ، أمَّا العقابُ فكان رادعاً وانفعالياً وعاجلاً، لا يميزُ خبيثاً من طيب، ولا كبيراً من صغير، ولا يزالُ. القومُ كانوا يتحدثون عن مهنةٍ بدأت شمسُها فى الغروب، بل كانوا يرددون فى استخفافٍ: “جفَّتْ الأقلامُ وطُويتْ الصحف”، حتى أن زملاء كثيرين، تحت وطأة العوز والحاجة، غيَّروا مسارهم المهنى تماماً، ليدبروا أقوات ذويهم، بعيداً عن سيف المعز وذهبه وإذلاله وقهره!
لم أقعْ فى أسْر “مفيد فوزى” كاتباً أو محاوراً أو متحدثاً، فى أىٍّ من مراحله وتحوُّلاته، وهى متنوعة ومتعددة، فالرجلُ يُولِّى وجهَه دائماً شطرَ مصلحته الشخصية. هو نفسُه يعترفُ فى المقال الأخير بأنه كان يعتزمُ السفر إلى كندا فى زمن الإخوان، تاركاً صحفيين وصُحفاً ناضلتْ حتى أسقطتْ حكم الإخوان، ولم يستفيدوا شيئاً مذكوراً، أما هو فلا يزال يصرخ ويستغيث ويناور؛ بحثاً عن تنمية موارده وزيادة دخله كما قال وكتب! الرجل الثمانينى، فى كل حالاته وبشكل عام، يبدو متكلفاً تكلفاً ممجوجاً. ورغم كل ذلك.. لم أرحبْ بتخصيص صفحات ومقالات وبرامجَ لإهانته وتجريحه والغمز واللمز فى سيرته ومسيرته المهنية؛ احتراماً لعامل السن فقط، ولا شئَ سوى ذلك.
المُدهشُ.. أنَّ نبرة الكتابات العدائية التى استهدفتْ إهانة “مفيد فوزى”، على خلفية مقاله الأخير، وهى جميعُها كانت إمَّا مُوجهة وبتعليمات فوقية، وإما يتقربُ أصحابُها زُلفى إلى “أسيادهم”، سرعانَ ما تراجعتْ خُطوة واثنتين وثلاثاً إلى الوراء، وصار الرجلُ، بعدما كان مغضوباً عليه، يتحرش به عبيد مأجورون، وقابَ قوسين أوأدنى من مصيرٍ مجهولٍ وغامضٍ، ضيفاً مُرَّحباً به، متحدثاً وكاتباً، عبرَ منابرَ كانت تتلقى التعليمات بإغلاق الأبواب فى وجهه وبتجريحه على رؤوس الأشهاد، أو استخراج فيديوهات قديمة منذ سنينَ طويلة؛ بهدف الإساءة إليه والنيل منه، وليس هناك أسوأ من أن يتلاسنَ رفقاءُ المِهنة الواحدة، أو أن يتجاوز الصغار بحق الكبار. وإجمالاً.. فإنَّ الجماعة الصحفية يراودُها الأملُ بأنْ تشهدَ الأيامُ المقبلةُ، انفراجة حقيقية، ليس لـ “مفيد فوزى” وحده، حتى يضمنوا صمته وسكوته وابتلاع لسانه، ولكن بشكل عام، لجموع الصحفيين الوطنيين، فالحرية الصحفية المسؤولة هى عنوان الدول المتقدمة والمتحضرة، والعكسُ صحيحٌ. افتحوا الشابيكَ، امنعوا الرُّقباءَ، تخلَّصوا من المُخبرين، استغنوا عن المرتزقة، اطردوا العبيد من خدمتكم؛ اقطعوا الطريق على الصحف والقنوات المعادية؛ فمصرُ تستحقُّ صحافة وصحفيين وإعلاماً وإعلاميين يليقون بها وبماضيها وحاضرها ومستقبلها الذى تطمحُ وتتطلعُ إليه..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.