نجوم “الهبد”.. وجنون الشهرة!.. بقلم – مختار محمود

“الهبد” فى اللغة الجديدة: الفتوى عن جهل واستعباط ، و”الهبيِّد”.. صيغة مبالغة، وتعنى الشخص الذى لا يتوقف عن إبداء رأيه فى أى شئ وكل شئ، ويبدو فى صورة العالم ببواطن الأمور. ويُقالُ: “هبد الفتى”، يعنى أفتى عن جهل؛ بحثاَ عن الشهرة ولفت الأنظار و “ركوب الترند”. و “الهبيدة”: هم قومٌ لا يخجلون من نشر جهلهم، أى هم مَن رضى عنهم جهلهم ورضوا عنه.
ورغم أن لفظة “الهبد” من إنتاج شباب “السوشيال ميديا”، إلا أنها لم تعد تقتصر على أولئك المرابطين على مواقع التواصل الاجتماعى من منزوعى العلم والمعرفة ومجانين الترندات فحسب، ولكنها امتدت وتسللت أيضاً إلى أصحاب المقام الرفيع وحاملى درجات الماجستير والدكتوراه. الجيل الجديد من “الهبيدة” ينتمى بشكل أو بآخر إلى النخبة العلمية، وهنا تكمن المقارقة. هم “هبيدة” مودرن، من أصحاب الكرافتات الشيك، قد يكونون علماء فى تخصصاتهم ولا يعانون من فراغ رواد السوشيال ميديا، ولكن إدمانهم البقاء فى دائرة الضوء يدفعهم دفعاً إلى الكذب وادعاء المعرفة فى كل شئ والمصادرة على المستقبل؛ حتى لا يطويهم النسيان والتجاهل. لا يخشى الواحد منهم، رغم مكانته العلمية والاجتماعية المرموقة، من أن يتخلى عن تخصصه الدقيق الذى صنع شهرته، ليتحدث فى تخصص آخر، ومجال مختلف، لا علاقة له به من قريب أومن بعيد.. ولكنها آفة “الهبد” التى تغتال من يُفترض فيهم أنهم أصحاب العقول الناضجة، ومَن حققوا ما يكفيهم من الشهرة والذيوع.
ولأن الشئ بالشئ يُذكر، خذ وباء “كورونا” مثلاً، فرغم أن الفيروس موصوف بـ “المُستجد”، أى أنه وباءٌ جديدٌ لا علاج له حتى الآن، إلا أننا وجدنا أطباء مشاهير فى تخصصات أخرى لا علاقة لها بالأمراض الصدرية والتنفسية، يصادرون على جميع الجهات ذات الصلة، بما فيها منظمة الصحة العالمية، يطلقون أحكاماً واهية، ويصدرون نظريات خادعة، عن الفيروس القاتل، وطرق محاصرته، وسبل مقاومته والقضاء عليه، حتى يكونوا فى الصباح ضيوفاً على الصحف والمنصات الإخبارية، وفى المساء ضيوفاً على برامج القنوات الفضائية، وللأسف يكون حضورهم دائماً وأبداً على حساب أهل العلم والاختصاص، ما يتسبب فى حالة من الفوضى والارتباك.
الأمر لا يقتصر فقط على هذا الجدل/ الدجل الطبى، ولكن يمتد إلى آخرين لا علاقة لهم بالقضية من قريب أو بعيد، كأن يظهر عالم آثار كبير، طبقت شهرته الآفاق، ليردد كلاماً غريباً، من نوعية: ” الفيروس المستجد ليس جديداً؛ فقد مات به الملك فلان من الأسرة الفلانية فى القرن الفلانى قبل الميلاد”، وفى زمن السوشيال ميديا.. فإن مثل هذه الجملة تجعل اسم صاحبها “ترند”، ويتصارع القوم على التواصل معه للحصول على مزيد من تخاريفه وأكاذيبه، وتملأ صورته الفضاء الألكترونى فترة من الزمن.
ولأننا نعيش فى “زمن الهبد الجميل”.. فإنك سوف تجد إعلامياً منزوع الموهبة، يستضيف “الفيروس” فى برنامجه، ويُجرى معه حواراً ساقطاً وهابطاً، وسوف تجد إعلامياً آخر يستضيف “هبيداً” ثانياً ليصدم العالم باكتشافه للقضاء على كورونا وهو اختراع “الشلولو”، وهو مزيج من الملوخية المجففة والتوم والبصل والليمون. وفى الطريق.. سوف تعترضك مذيعة ” هبيدة” بطبعها، لتخبرك بأن هذا الفيروس الذى حير العالم وأصابه بالكساد والشلل التام يمكن القضاء عليه بـ “كوب شاى ساخن”.. وهلم جرَّا.
وما ينطبق على “كورونا” يمتد إلى غيره من مستجدات الأحداث، نفس الوجوه جاهزة للقيام بالمهة، لا تكل من الكذب ولا تمل من الخداع، ولو واجههم أحد بحقيقتهم، يصنعون صنيع الأرامل وويتباكون بكاء الثكالى، ويتصايحون صياح النائحات المستأجرات، حتى يجبروك على الصمت التام وعدم المساس بهم، فالأهم من السبوبة، سبوبة الشهرة والمال، هو كيفية الحفاظ والدفاع عنها.. أيها الهبيدة أنتم ألعن من “كورونا”..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.