مارتن لوثر كنج والحلم الضائع….. بقلم – صالح محمد صالح الباحث في القانون الدولي والشئون السياسية الدولية

 

حين ألقي مارتن لوثر كنج خطابه الشهير I have a dream حلم بأن يوما سيأتي ليتغير فيه المجتمع ويعيش فيه أطفاله الأربعة في مجتمع لا يحكم على الناس بألوان جلودهم، وإنما بما تنطوي عليه أخلاقهم…
حلم كان يتطلّب تغيير المجتمع عن طريق تعزيز الإدراك لدي أفراده أن بإمكانهم التغلّب على التحيّزات الّتي نشأوا عليها في مجتمعهم إذ أن البيئة المحيطة تلعب دورًا شديد الأهمية في تشكيل التفكير الجمعي بطرقٍ عميقة نعجز عن إدراكها في كثير من الأحيان.

تلك التحيزات العنصرية بمفهومها الحديث كانت ترجع بجذورها إلى فترة ما بعد الكشوف الجغرافية الكبرى حين وجد الأوروبيون أنفسهم وجهًا لوجه مع مجموعات عديدة من البشر المختلفين عنهم في لون البشرة وغير ذلك من الصفات. والاقل منهم في التنظيم الاجتماعي والسياسي والديني، ومتخلفين عنهم تخلفًا بينًا في كل وسائل التكنولوجيا. تلك الحقائق أوجدت عند الأوروبيين في مجموعهم شعورًا بالقوة وإحساسًا بالرفعة، وبأنهم بناة الحضارة المادية المتقدمة وأصحاب الفكر المتقدم. وتضخم هذا الإحساس بشدة حينما أمكن استرقاق أو إبادة الكثير من تلك الشعوب. وعلى الإثر ظهرت نظريات عدة كلها تؤكد سيادة الرجل الأبيض حتي تشكلت العنصرية في الوعي الجمعي لدي الرجل الأبيض.
هذه العنصرية بما تضمنته من مفهموم العبودية لم تأتِ خالية من الزخارف الأيديولوجية والفلسفية التي تطورت تاريخيًا لتبريرها علي نحو محرج من الناحية الأخلاقية بـداية بإيمانويل كانط واعتقاده أنّ”الإنسانية في أعلى درجات كمالها متحقّقة في العرق الأبيض أما الهنود فذو موهبةٍ ضئيلة”. وديفيد هيوم حين كتب عام 1754 “أنا مستعدٌّ للشكّ بأنّ الزنوج، والأجناس الأخرى عامّةً أدنى بطبيعتها من البيض”.

أما بالنسبة للأميركيين فإنهم يحملون مشاعر خاصة بالعنصرية والاثنية متجذرة الأصول في تاريخهم بداية من القرن السابع عشر و”حرب الملك فيليب” التي أباد فيها أسلافهم من المستوطنين الإنجليز عددًا كبيرًا من القبائل الهندية والتي بدورها شكلت في الوعي الجمعي وخصوصا لدي البيوريتانيين من الأميركيين، سياسات عنصرية جديدة مؤداها أن هذا الطرد أو تلك الإبادة هي السياسات الوحيدة التي يجب اتباعها في المستقبل، لا تجاه الهنود الحمر فقط، بل في مواجهة أي جماعة عرقية، يمكن أن يتقاطع وجودها مع مسيرة الرجل الأبيض.

تلك العنصرية دخلت مرحلة جديدة مع ظهور الدستور الأمريكي الذي يميز بين ثلاثة أصناف من السكان : الهنود الذين يعتبرون أفراد قبائل مستقلة وليس جزءا من الجسم السياسي الأميركي ولهم الحق فيما يسمي السيادة القبلية tribal sovereignty، وأشخاص آخرون “يقصد بهم العبيد السود الأميركيين”، والشعب، بما يعطي الإنطباع أن ثلث السكان فقط هم الذين يحق لهم التمتع بالحرية الأميركية.
ولذلك ظهرت التحديات في أن تواجه كل فئة من هذه الفئات مهمة تحديد هويتها باعتبار التمييز بين القومية المدنية التي تصور المجتمع الأمريكي كمجتمع مفتوح لجميع أولئك المخلصين لمؤسساته السياسية وقيمة الاجتماعية، وبين القومية العرقية التي تعرف الأمة كمجتمع قائم على أساس تقاسم الأصل العرقي والثقافة واللغة.

هذه العنصرية ظلت متجسدة تاريخياً لزمن قريب في إضطهاد السود ومنعهم من السكن في أماكن معينة أو دخول مطاعم بعينها حتى أن إحدى الممثلات السود فازت بجائزة أوسكار عام 1939 كأفضل ممثلة مساعدة و رفضت اللجنة المنظمة تسليمها الجائزة أمام الجمهور ( قاموا بتسليم الجائزة داخل غرفة مغلقة)

عنصرية ما زالت واقعاً معاصرا ملموساً عن طريق الهجمات العنصرية المسلحة علي السود ومن حيث يعيش أكثر من 37% من الاطفال السود الأمريكيين في الفقر ويتعرض التلاميذ والطلاب السود للعنصرية والفصل من مدارسهم، أكثر مما يتعرض الطلاب البيض بثلاثة أضعاف إضافة إلي عدد العاطلين عن العمل من السود الذي يتعدي ضعف عدد العاطلين من نظرائهم البيض.

ربما كان كل ذلك نواة لما تشهده أمريكا من عنف ممتد بكثير من الولايات بعد الحادث العنصري من الشرطي ضد الرحل الأسود. وفي اعتقادي أن الخطابات السياسية المسكنة لن تكون هذه المرة أمراً مجديا في تلك اللحظات خصوصاً مع تعامل الرئيس الأمريكي بسذاجة مبالغ فيها مع الموقف وأيضاً لن يكون فصل الشرطي ومحاكمته باعتباره السبب الوحيد للمشكلة صحيحاً لأنه عندما ينغمس المرء عميقًا داخل نظام مجتمعي غير أخلاقي، يصبح الاكتفاء بتصنيف أفعاله باعتبارها مسؤولية فردية أمراً مثيراً للجدل لأن العنصرية الفردية التي ارتكبها ذلك الشرطي ليست بأقل إثارةٍ للإشمئزاز من العنصرية المتجذرة في وعي الرجل الابيض الأمريكي والمنعكسة في سياساته.

لذلك أعتقد أن الوضع سيؤول إلي التفاقم السريع ما لم يتم العمل باستراتيجية قصيرة المدي لاحتواء الموقف وأخري بعيدة المدي لتغيير الوعي الجمعي وتحجيم العنصرية ضد السود وإلا سيكون الحديث عن الإندماج وبوتقة الانصهار (Melting Pot) درباً من الخيال وسيكون حلم الإنفصال عن البيض حلماً مشروعاً وسيصبح العنف أمراً شائعاً للمطالبة بالحقوق كما كان ينادي به “مالكوم اكس” الذي كان يعتبر “اللاعنف” على أنه جبن وغير فعال لأن على السود الدفاع عن أنفسهم بالقوة حيث كان يقول: “العين بالعين، السن بالسن، وحياة بحياة. إن كان هذا ثمن الحرية، فإننا لن تتردد عن دفع الثمن.”..
وحينها فقط لن يصير المطالبة بالعدالة والمساواة “إرهابا داخلياً” كما يزعم الرجل البرتقالي.حين ألقي مارتن لوثر كنج خطابه الشهير I have a dream حلم بأن يوما سيأتي ليتغير فيه المجتمع ويعيش فيه أطفاله الأربعة في مجتمع لا يحكم على الناس بألوان جلودهم، وإنما بما تنطوي عليه أخلاقهم…
حلم كان يتطلّب تغيير المجتمع عن طريق تعزيز الإدراك لدي أفراده أن بإمكانهم التغلّب على التحيّزات الّتي نشأوا عليها في مجتمعهم إذ أن البيئة المحيطة تلعب دورًا شديد الأهمية في تشكيل التفكير الجمعي بطرقٍ عميقة نعجز عن إدراكها في كثير من الأحيان.

تلك التحيزات العنصرية بمفهومها الحديث كانت ترجع بجذورها إلى فترة ما بعد الكشوف الجغرافية الكبرى حين وجد الأوروبيون أنفسهم وجهًا لوجه مع مجموعات عديدة من البشر المختلفين عنهم في لون البشرة وغير ذلك من الصفات. والاقل منهم في التنظيم الاجتماعي والسياسي والديني، ومتخلفين عنهم تخلفًا بينًا في كل وسائل التكنولوجيا. تلك الحقائق أوجدت عند الأوروبيين في مجموعهم شعورًا بالقوة وإحساسًا بالرفعة، وبأنهم بناة الحضارة المادية المتقدمة وأصحاب الفكر المتقدم. وتضخم هذا الإحساس بشدة حينما أمكن استرقاق أو إبادة الكثير من تلك الشعوب. وعلى الإثر ظهرت نظريات عدة كلها تؤكد سيادة الرجل الأبيض حتي تشكلت العنصرية في الوعي الجمعي لدي الرجل الأبيض.
هذه العنصرية بما تضمنته من مفهموم العبودية لم تأتِ خالية من الزخارف الأيديولوجية والفلسفية التي تطورت تاريخيًا لتبريرها علي نحو محرج من الناحية الأخلاقية بـداية بإيمانويل كانط واعتقاده أنّ”الإنسانية في أعلى درجات كمالها متحقّقة في العرق الأبيض أما الهنود فذو موهبةٍ ضئيلة”. وديفيد هيوم حين كتب عام 1754 “أنا مستعدٌّ للشكّ بأنّ الزنوج، والأجناس الأخرى عامّةً أدنى بطبيعتها من البيض”.

أما بالنسبة للأميركيين فإنهم يحملون مشاعر خاصة بالعنصرية والاثنية متجذرة الأصول في تاريخهم بداية من القرن السابع عشر و”حرب الملك فيليب” التي أباد فيها أسلافهم من المستوطنين الإنجليز عددًا كبيرًا من القبائل الهندية والتي بدورها شكلت في الوعي الجمعي وخصوصا لدي البيوريتانيين من الأميركيين، سياسات عنصرية جديدة مؤداها أن هذا الطرد أو تلك الإبادة هي السياسات الوحيدة التي يجب اتباعها في المستقبل، لا تجاه الهنود الحمر فقط، بل في مواجهة أي جماعة عرقية، يمكن أن يتقاطع وجودها مع مسيرة الرجل الأبيض.

تلك العنصرية دخلت مرحلة جديدة مع ظهور الدستور الأمريكي الذي يميز بين ثلاثة أصناف من السكان : الهنود الذين يعتبرون أفراد قبائل مستقلة وليس جزءا من الجسم السياسي الأميركي ولهم الحق فيما يسمي السيادة القبلية tribal sovereignty، وأشخاص آخرون “يقصد بهم العبيد السود الأميركيين”، والشعب، بما يعطي الإنطباع أن ثلث السكان فقط هم الذين يحق لهم التمتع بالحرية الأميركية.
ولذلك ظهرت التحديات في أن تواجه كل فئة من هذه الفئات مهمة تحديد هويتها باعتبار التمييز بين القومية المدنية التي تصور المجتمع الأمريكي كمجتمع مفتوح لجميع أولئك المخلصين لمؤسساته السياسية وقيمة الاجتماعية، وبين القومية العرقية التي تعرف الأمة كمجتمع قائم على أساس تقاسم الأصل العرقي والثقافة واللغة.

هذه العنصرية ظلت متجسدة تاريخياً لزمن قريب في إضطهاد السود ومنعهم من السكن في أماكن معينة أو دخول مطاعم بعينها حتى أن إحدى الممثلات السود فازت بجائزة أوسكار عام 1939 كأفضل ممثلة مساعدة و رفضت اللجنة المنظمة تسليمها الجائزة أمام الجمهور ( قاموا بتسليم الجائزة داخل غرفة مغلقة)

عنصرية ما زالت واقعاً معاصرا ملموساً عن طريق الهجمات العنصرية المسلحة علي السود ومن حيث يعيش أكثر من 37% من الاطفال السود الأمريكيين في الفقر ويتعرض التلاميذ والطلاب السود للعنصرية والفصل من مدارسهم، أكثر مما يتعرض الطلاب البيض بثلاثة أضعاف إضافة إلي عدد العاطلين عن العمل من السود الذي يتعدي ضعف عدد العاطلين من نظرائهم البيض.

ربما كان كل ذلك نواة لما تشهده أمريكا من عنف ممتد بكثير من الولايات بعد الحادث العنصري من الشرطي ضد الرحل الأسود. وفي اعتقادي أن الخطابات السياسية المسكنة لن تكون هذه المرة أمراً مجديا في تلك اللحظات خصوصاً مع تعامل الرئيس الأمريكي بسذاجة مبالغ فيها مع الموقف وأيضاً لن يكون فصل الشرطي ومحاكمته باعتباره السبب الوحيد للمشكلة صحيحاً لأنه عندما ينغمس المرء عميقًا داخل نظام مجتمعي غير أخلاقي، يصبح الاكتفاء بتصنيف أفعاله باعتبارها مسؤولية فردية أمراً مثيراً للجدل لأن العنصرية الفردية التي ارتكبها ذلك الشرطي ليست بأقل إثارةٍ للإشمئزاز من العنصرية المتجذرة في وعي الرجل الابيض الأمريكي والمنعكسة في سياساته.

لذلك أعتقد أن الوضع سيؤول إلي التفاقم السريع ما لم يتم العمل باستراتيجية قصيرة المدي لاحتواء الموقف وأخري بعيدة المدي لتغيير الوعي الجمعي وتحجيم العنصرية ضد السود وإلا سيكون الحديث عن الإندماج وبوتقة الانصهار (Melting Pot) درباً من الخيال وسيكون حلم الإنفصال عن البيض حلماً مشروعاً وسيصبح العنف أمراً شائعاً للمطالبة بالحقوق كما كان ينادي به “مالكوم اكس” الذي كان يعتبر “اللاعنف” على أنه جبن وغير فعال لأن على السود الدفاع عن أنفسهم بالقوة حيث كان يقول: “العين بالعين، السن بالسن، وحياة بحياة. إن كان هذا ثمن الحرية، فإننا لن تتردد عن دفع الثمن.”..
وحينها فقط لن يصير المطالبة بالعدالة والمساواة “إرهابا داخلياً” كما يزعم الرجل البرتقالي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.