الطب التحفظي .. . بقلم – د. ماجد فياض

 

هذه هي المرة الأولي في حياتي علي الإطلاق التي أدخل فيها محكمة متهما مشكو في حقه …كانت بالأمس في السعودية !!

…ما الذي يٌبدل الناس أعداءا بعد ما كان بينهم من سابق الود ؟؟
وما الذي يجعل مريضة كانت تتردد علي عيادتي تعلم جيدا إني اجتهدت في شرح التفاصيل واستنفذت كل طاقتي النفسية والعلمية و الإجتماعية و قمت بإجراء عملية لها أن تفعل ذلك ؟

في لندن عام 2017 كنت أتسائل ما الذي يجعل عجوزا في السبعين من عمره إسمه فريدريش مادرشبخر يجر خطاه المرهقة ليحضر جلسة للتثقيف القانوني يُحاضر فيها أعلام في مجال النزاعات الطبية القانونية ؟؟

هل تعلم ما معني أن هناك جلسة لمدة ساعتين كاملتين في أكبر مؤتمر ضخم للمسالك البولية علي مستوي العالم الهدف منها تلقي الاستشارات القانونية وتعليم الأطباء الغطاء القانوني الجيد لأنفسهم ويزرعون فيهم أنك لست بطلا ولا مبعوثا عن العناية الإلهية ولا حياة المريض نفسها أهم من خصف نعلك يا فتي حين يصيبك الضرر؟ !!

هل يعلم الناس ماذا خسر العلم والعالم علي المستوي الطبي بانحطاط بعض الإعلاميين وبعض المرضي و بعض المحامين المشتغلين بالتعويضات في القضايا الطبية ؟
فما كان لرجل عجوز مثل مادرشبخر النمساوي الشهير وهو في آخر العمر يجر قدمه المجهدة لحضور مثل هذه الترهات بدلا من أن يفيد صغار الأطباء في هذه الوقت الممتد وهو مؤسس علم المسالك البولية العصبيه Neuro urology .!!

في لندن أيضا كان صديقي المدرس بالجامعة حزينا ولم يحضر جلسات المؤتمر لأنها كانت أول مرة يسافر فيها خارج السعودية
بعد أن ظل ممنوعا من السفر لمدة عام وأكثر حين تخلت عنه المستشفي التي يعمل بها ولم توقع عنه كفالة غرم في قضية تافهة لإستئصال كلي متهتكة تماما بعد حادث سير جعله الله سببا أنقذ به حياة المريض ومع ذلك فقد ظل ممنوعا من السفر طوال هذه المدة …إنها الغصة التي طاردت وئامه وسلامه كيف تقطع يد سيفها كان لك ؟؟
..علي الأقل أنا كنت محظوظا فقد سافرت خلال عام واحد هي مدة التقاضي أكثر من ٧ مرات كاملة !!

هل يعرف الناس لماذا ظهر ما يسمي predictive medicine الطب التنبؤي والطب الدفاعي والتحفظي defensive medicine ؟؟
ربما قد يكون هروبا مما يراه الطبيب المريض العدو المحتمل
هل يمكن أن يُبدع الطبيب في عالم الخوف ؟؟
هل يمكن للجراح أن يُمسك بالمشرط ويداه ترتعشان أو حين يري نفسه مضطرا للدفاع عن نفسه أمام القاضي ؟؟!

حين كنت أشق أول خطواتي في عالم الطب قال لي أحد الأساتذة خد بالك العيان بن… اللي أنت مقطع نفسك عليه ممكن أن يصبح خازوقا محتملا وتلاقيه مجرجرك علي المحاكم …هكذا كانت فلسفته أن المريض هو غريما أو خصما محتملا وما تزال !!.

يمتلئ الطب الحديث بمعضله العلامات التنبؤية لمصير كل الأمراض
والعمليات الجراحية وأصبح الحديث عنها والانشغال البحثي العجيب بها أحد أهم الأذرع الطبية الحديثة
ليس فقط لمعرفه وتصنيف المرضي إلي فئات شديدة ، متوسطي ، وقليلة الخطورة ومن ثم يسهل علي الطبيب إختيار القرار العلاجي أو الجراحي المناسب
لكني أراه يأخذ بعدا قانونيا بحتا يشغل ذهن الباحث الكبير الذي يريد أن يخص الأطباء في كل مكان بهذه المعلومات
وإلا لماذا نصحت الخطوط الإرشادية الأمريكية صراحة بمقوله
أعرف مريضك جيدا know your patient well

لو خضت أحد إمتحانات البورد الأمريكي أو الأوروبي أو الإنجليزي
لن يخلوا الإمتحان من أسئله من عينة أهم عامل تنبؤي في جراحه كذا ..وسيعطيك كل العوامل لكنك مطالب باختيار الأهم أما لو كنت مثلا طالبا في دكتوراة طب عين شمس ربما كان السؤال أكتب ما تعرفه عن كل العوامل التنبؤئيه في أورام المسالك البولية !!

في أمريكا نفسها كانت التجربة واضحة لي من الزاويتين الطبيب و المريض ورغم معرفه الأطباء بنا إلا إنهم قاموا بشرح كل شئ ومناقشة أسوء الاحتمالات وإقرارا بخط اليد علي كل الاحتمالات السيئة فمافيا التعويضات هناك لا ترحم أحدا وسوف تأتي الضربة لا محالة من ألف خلف ، وإذا قبلت سنكون في خدمتك ..وإذا رفضت نحن نعتذر عن خدمتك إنهم يروا الجميع بلا إستثناء خوازيقا محتمله!!.

باختصار ضع يديك علي أي مكان في خريطة الأرض البائسة وستعرف أن العقل الجمعي والضمير الطبي العالمي أصبح ينظر للمريض علي إنه ذلك الخازوق المحتمل !!

منذ أسابيع قليلة أجريت جراحة لمريض مصري يعيش وإبنته الطبيبة في أستراليا يرفض الأطباء إجراء الجراحة هناك ويتم علاجه تحفظيا فقط لأنه الخوف من حدوث مضاعفات .

هذه هي الشكوي المتكررة لبعض المرضي في كل التخصصات من رفض الجراحين إجراء العمليات الجراحية الصعبة والخطيرة
لأنه ببساطه الطب الدفاعي و التحفظي conservative measures كيف يساعدك وربما أنت من تودعه السجن مستقبلا ؟!.

هكذا قالت الخطوط الأمريكية always think about non surgical interventions دائما فكر في الحلول غير الجراحيه.

العالم كله يخسر ..الجراحون يخسرون فرص وطاقات الإبداع والمهارات في الحالات الصعبة المعقدة و المرضي يخسرون أيضا فرص النجاة في حال إختيار الجراحه بينما العلم نفسه يخسر بانشغاله بترهات الأبحاث !!

والحل أراه في منظومة عادلة تحمي حقوق المريض من الإهمال وتلقيه رعاية طبية لائقة وتحمي الطبيب من تغول القانون عليه ومن التشهير به

وإنشاء محكمة طبية متخصصة لا يحاسب فيها الطبيب علي مضاعفاته جنائيا كمجرم حرب

أما فيما يخص القضية الخاصة بي فقد تم حفظها لأنه تبين للمحكمة في جدة بالدليل القاطع أنه لم يكن هناك أي شبهة تقصير طبي من ناحيتي (أي براءة )
لكن بقي في قلبي بعض المرارة أن المريضة التي التي طالما ساعدتها وجلست تحكي لي عن كل شئ يخص حياتها قد وقفت خصما لي أمام القاضي تتهمني باتهمات باطلة ..تحملني مسؤلية كل مصائبها الخاصة والعامة حتي سقوط الأندلس !

أما أنا فأدعو الله أن يغفر لي تقصيري وأن يٌيسر لي اجتهادي في تطوير ذاتي .. … لن أتغير بإذن الله وسأظل أفخر بنفسي أقدم ما يمليه علي ضميري وليذهب الطب التنبؤي والطب الدفاعي والتحفظي إلي الجحيم حين يحتاج المريض إلي فرصة يلمع ويحتد فيها نصل المشرط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.