الزاهد المستنير”.. الأنبا ابيفانوس ” يودع محبيه بوفاته وهو فى طريقه لقداس الأحد

ككل صباحات الأحد، التى يترأس فيها الأنبا ابيفانيوس صلوات القداس الإلهى بديره، انتظره تلاميذه من الرهبان، أخذوا مواقعهم من الصلاة، منهم من يشاركه قراءة الانجيل، ومنهم من يرتل “مردات الهيكل”، ومنهم من يعد “الحمل المقدس”، إلا أن انتظارهم طال هذه الم

رة، أبيهم ومعلمهم رئيس الدير لم يأت، أى أن الصلاة لن تبدأ، حتى انتبهوا إلى غيابه، فذهب أحدهم لقلايته، فما كان منه إلا أن رآه وقد لفظ أنفاسه الأخيرة نائمًا نومته الأبدية على السلم فى طريقه للكنيسة، فكان موته يشبهه، موت فى طريق الصلاة الذى بدأه منذ فبراير عام 1984، حين خلع عن جسده رداء الأطباء الأبيض، مفضلًا جلباب الرهبان الأسود، ليموت عن العالم ويبدأ حياته الجديدة مع الله.

عرف الأنبا ابيفانيوس بحسن تلمذته، فقد كان يشرف طوال خدمته على مكتبة المخطوطات والمراجع بكل اللغات فى الدير، وهو من الباحثين النشيطين بالدير، وقد نشرت له مطبعة الدير أوائل إنتاجه العلمى: ترجمة من اليونانية القديمة للعربية: سفر التكوين، والقداس الباسيلى، وحينها كان جارى نشر سفر الخروج، والقداس الغريغورى، والكتاب التاريخى القديم “بستان الرهبان”.

وبنفس الوداعة التى كانت تظلل حياته، اختار الأنبا ابيفانيوس، أسقف ورئيس دير الأنبا مقار بوادى النطرون أن يرحل، فقد نزل عن قلايته “سكن الرهبان” فى ديره يرتدى شاله الأسود وجلبابه البسيط، زاهدًا فى كل شئ، متجردًا من زهو المناصب، ناظرًا لخدمة الله وهؤلاء التلاميذ السائرين على خطى القمص الأب “متى المسكين” القمص المستنير الذى حرك بكتاباته نهر الكنيسة الراكد.

ففى العام 1984، حين بدأ الانبا ابيفانوس حياته الرهبانية، كان البابا شنودة بطريرك الأقباط آنذاك قيد الاعتقال فى دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون، حين قرر الطبيب الشاب الذى صار بعد ذلك القس ابيفانيوس الانضمام لحركة التعمير الرهبانية التى قادها القمص متى المسكين فى الفترة من عام 1969 وحتى وفاته عام 2006 وهى نفس الفترة التى شهدت الخلاف التاريخى الشهير بين البابا شنودة والقمص متى المسكين بعدما استدعى الرئيس السادات الأخير ليعرض عليه منصب الباباوية فى غضون خلافه مع البابا شنودة

كان دير الأنبا مقار المعروف باسم “أبو مقار” ببرية شيهيت، متروكًا خاليًا من رهبانه إلا قليل فلم يكن فيه أكثر من خمسة رهبان (مسنين ومرضى) ومبانى الدير توشك أن تتساقط، فى تلك الفترة قصد الأنبا ابيفانوس الدير راهبًا يكتب ويؤلف ويتعلم من القمص “المسكين”، فقد كانت حركة الترجمة من كافة اللغات الأوروبية، قد أخذت طريقها إلى الدير الذى يضم مطبعة لا تتوقف عن العمل، بفضل نشاط رهبانها وتفقههم فى أمور الدين، وتواصلهم مع الكنائس الأخرى وباللغات المختلفة.

وفى العام 2006 غادر القمص متى المسكين إلى دار الآخرة، وظل الدير يخضع لإشراف المطران الأنبا ميخائيل مطران أسيوط، واستمر الوضع كذلك حتى إذا جاء العام 2013 كان المطران قد تعب من مقاومة أمراض الشيخوخة وتقدم فى العمر حتى بلغ الـ93 ، فطلب من البابا تواضروس الذى كان قد وصل لتوه لكرسى البطريرك وقتها، أن يعفيه من مهام الإشراف على الدير البعيد عن مقر إقامته بأسيوط، وأن يوكل المهمة لأحد الآباء من رهبان الدير.

في يوم الأحد الثالث من فبراير من العام 2013، كان الأنبا ابيفانوس على موعد جديد مع الخدمة الكنسية، سيقرر الدير أن يجرى اقتراعا سريًا لانتخاب رئيسا له، وكان الأنبا ابيفانوس مرشحا للمنصب مع اثنين من أخوته الرهبان، الراهب إيسيذوروس، والراهب بترونيوس وبناء على نتيجة الاقتراع أعلن البابا تواضروس أن الأب الراهب القس إبيفانيوس المقارى قد حصد ثقة أخوته الرهبان بأغلبية الأصوات، وحظى هذا الاختيار بقبول ومباركة الأنبا ميخائيل مطران أسيوط ورئيس الدير منذ حوالى 65 عاماً، وذلك بتزكية مكتوبة استلمها الراهب إبيفانيوس باليد من الأنبا ميخائيل، وسَلَّمها بدوره إلى البابا تواضروس.

 

ماذا قال الأنبا ابيفانيوس عن أستاذه “متى المسكين”؟

عام 2016 احتفى دير كاثوليكى شهير فى إيطاليا بذكرى الأب متى المسكين وبالتغيير الذى أحدثه فى تاريخ الكنيسة القبطية ومستقبلها، وألقى الأنبا ابيفانيوس كلمته إذ اعتبر كتابات الأب متى المسكين أحدثت تغييراً ملحوظاً بمجال التعليم فى الكنيسة القبطية مرجعا السبب الحقيقى وراء هذا التغيير، إلى أنَّ الأب متى المسكين لم يتتلمذ على اللاهوت القبطى المعاصر أو المستحدث الذى كان منتشراً فى ذلك الوقت؛ إذ أنه بتدبيرٍ إلهى، حسب تعبيره، حصل على مجموعة كاملة لأقوال الآباء مُترجمة إلى اللغة الإنجليزيـة، فقرأها بنهَمٍ، فانطبع فكر الآباء على تفكيره، واصطبغت حياته بسِيَر قدِّيسى الكنيسة، فخرجت كتاباته لها طعم كتابات آباء الكنيسة الأوائل.

لم تمنع شئون رئاسة الدير، الأنبا ابيفانيوس عن شغفه بالبحث العلمى والكتابة والتأليف فقد ظل حريصًا على ذلك يحاضر فى مؤتمرات هنا ويقدم أوراقًا هناك، فقد كان آخر ما حضره مؤتمر التراث العربى المسيحى بكلية اللاهوت الإنجيلية فى أبريل الماضى، وقدم ورقة بحثية فيه.

فى مايو الماضى، حيث عقد اجتماع المجمع المقدس الأخير للكنيسة القبطية، وهو المجمع الذى شهد قرارات تاريخية وتغييرات هيكلية فى المناصب الكنسية قد تؤثر على مستقبل الكنيسة ايجابًا وعلى علاقاتها بالكنائس الأخرى، كان الأنبا ابيفانيوس على موعد مع منصب كنسى جديد إذ عينه البابا تواضروس مراقبًا للجنة الباباوية للحوار إيمانًا من البابا بقدرات “ابيفانيوس” ومدرسة متى المسكين الرهبانية فى التقارب مع الكنائس الأخرى إذ كان الأب متى المسكين أول من قرأ كتابات آباء الكنائس الأخرى وعلى يده بدأت حركة ترجمة كتابات القديس غريغوريوس الكبير، والقديس يوحنا الدمشقى، والقديس ساروفيم ساروفسكى، مما فتح للأقباط نافذة جديدة على المسيحية العالمية، وغير نظرة الأقباط لتلك الكنائس من العداء إلى القبول والمحبة.

إذا كان الأنبا ابيفانيوس خير خلف لخير سلف، تلميذ تربى على مدرسة أستاذه القمص متى المسكين، فإن دير أبو مقار الذى يعتبر مدرسة رهبانية رائدة لا يعقم أن ينجب للكنيسة آبًا آخر يحمل زهد الراهب وشغف الباحث وتواضع آباء الكنيسة الأوائل وإيمانهم العميق بالحوار لا الشقاق، بالتقارب لا الصراع، والمحبة لا الممانعة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.