الأبحاث السريرية و مستقبل البحث العلمي الطبي في مصر بقلم: أ.د. هشام رأفت(الجزء الاول )

كثر الحديث علي الأبحاث السريرية أو التجارب السريرية (clinical trials) علي المرضي المصريين. و للأسف أدلي كل بدلوه, قليلا عن علم و الأغلب (كالعادة) عن غير علم. و صرح عضو بمجلس الشعب بأنه يملك أدلة (لم يفصح عنها) بتورط مستشفيات في أجراء تجارب سريرية علي مرضي مصريين لصالح شركات أمريكية. و لأن الموضوع في غاية التعقيد و يمس أمن و سلامة و صحة المواطن المصري فيجب أن تكون المعلومات دقيقة و حقيقية و عملية. هناك الكثير من المعلومات التي يجب علي العامة (بالرغم من صعوبة الموضوع و تعقيده العلمي) أن تدركها. أول هذه المعلومات و أهمها علي الأطلاق هو أن أي دواء تتناوله حديثا أو قديما لأي مرض كان فهو متوفر فقط لأن هناك تجارب سريرية متعددة أجريت عليه. و التجارب السريرية هي السبيل الوحيد لصناعة الدواء التي تثبت من خلاله فاعلية و أمان هذه الأدوية. فالدواء الذي لا تثبت فاعليته المرجوة في التجارب السريرية يتم حذفه, كما أن الدواء الذي يظهر أعراض جانبية خطيرة في التجارب السريرية تفوق الفائدة المرجوة منه يتم حذفه أيضا أو يتم سحبه من الأسواق أذا كان تم الترخيص له بناء علي تجارب سريرية سابقة. و المثل علي الحالة الأخيرة حدثت في أواخر القرن الماضي علي مضاد حيوي أسمه (trovafloxacin) و هو الأسم العلمي و ليس التجاري. فبعد الترخيص للدواء من قبل هيئة الأدوية و الأغذية الفيدرالية الأمريكية (FDA) بناء علي تجارب سريرية أجريت في أمريكا و أوروبا علي المرضي في هذه البلاد أثبتت الفاعلية العالية لهذا الدواء و وجود بعض الأعراض الجانبية الغير خطيرة و منها زيادة أنزيمات الكبد (تأثير ضار علي الكبد). بناء عليه فأن الدواء نزل للأسواق و بدأ تسويقه و وصفه للمرضي. و في تجارب سريرية لاحقة تبحث بدرجة أعمق معدلات الأمان لهذا الدواء وجد أنه قد يتسبب في حدوث فشل كبدي خطير من الممكن أن يؤدي للوفاة في عدد قليل من المرضي (سجلت 6 حالات وفيات بالفعل). و تم أعتبار هذه الخطورة أنها تفوق الفائدة المرجوة فتم سحب الترخيص و سحب الدواء من السوق و من الصيدليات و منها بالطبع السوق المصرية (أتذكر في هذا التوقيت و يتذكر معي كافة أطباء الأمراض الصدرية بأن مندوبين الشركة المنتجة لهذا الدواء, و هي بالمناسبة شركة أمريكية عالمية, كانوا يزورون الأطباء واحد واحد لتعريفه بأخطار الدواء و طلب عدم وصفه نهائيا لحين سحبه من جميع الصيدليات و هو ما تم بالفعل).

بعد هذه المقدمة و القصة البسيطة هناك بعض التعريفات و الحقائق التي يجب علي القارئ أن يدركها:

ماهي التجارب أو الأبحاث السريرية (clinical trials): هي أي أستخدام لدواء أو لجهاز تشخيصي أو علاجي أو أي تداخل أو أستخدام للمعلومات الطبية يتعلق بالمخلوقات البشرية سواء للمرضي أو الأصحاء بغرض البحث العلمي.

هل يمكن لأي دواء أن يتم أستخدامه (بالأحري يتم ترخيصه للأستخدام) بدون تجارب دوائية علي المخلوقات البشرية (human being) و بصيغة أخري هل ممكن الأكتفاء بالتجارب علي الحيوانات لمعرفة فاعلية الدواء و معرفة الأخطار أو المضاعفات المتوقعة منه: الأجابة بوضوح هو بالقطع لا و الأسباب عديدة منها أن التركيبة الفسيولوجية و التشريحية لكل الحيوانات مختلفة عن الأنسان مهما تشابهت و الصعوبة الشديدة في أيجاد حيوانات بها نفس الأمراض في الأنسان بنفس التفاصيل الدقيقة لدراسة فاعلية الدواء كما أنه من الصعب بل من المستحيل دراسة عوامل الأمان لأي دواء بصورة قاطعة و أكيدة في حيوانات التجارب قبل تطبيقها علي الأنسان.

أذا ما فائدة أجراء التجارب علي الحيوانات؟ و الأجابة أن التجارب علي الحيوانات تتم بعد (تصميم) الدواء أو التداخل الطبي لتجميع معلومات مبدئية عن أي أثار جانبية خطيرة أو كارثية من الممكن أن توقف أي أبحاث قادمة علي الأنسان و كيفية تعامل الجسم مع الدواء (pharmacokinetics) بمعني دراسة امتصاص الدواء و تركيزه في كافة الأعضاء و كيفية التخلص منه و الوقت الذي يتواجد فيه في الجسم بصورة فعالة و  شابه و دراسة تعامل الدواء مع الجسم (pharmacodynamics) مثل تأثير الدواء علي الكبد أو الكلي أو أي خلايا أو أعضاء أخري أو أي تغيرات فسيولوجية قد يحدثها الدواء. و الأهم دراسة الجرعة السمية للدواء أي الجرعة التي ممكن أن تسبب أضرار للجسم.  و هناك قصة تحكي في هذا برغم ندرتها الشديدة

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.