إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا… بقلم – د. عبدالحميد أبو الفضل

أذكر نفسي وإياكم بالآية الكريمة: “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”، فلنتفاءل جميعًا بفضل الله عز وجل، بعد أنْ ألمَّ بنا وباء كورونا، الذي لم يتوقعه أحد؛ إذ فصل العالم عن بعضه البعض، وانزوى الجميع، وانحصر رعبًا من أنْ يصيبه هذا الفيروس.
ويجتهد الجميع حاليًا في توصيف الوباء، والبحث عن سبيل للنجاة منه؛ حتى قال رئيس وزراء إيطاليا:” لقد انتهت حلول الأرض، والأمر متروك للسماء (أي لله رب العالمين)”، فالتطور الهائل فى الطب وفي المجال التكنولوجي، وما وصلنا إليه من ذكاء اصطناعي يقف عاجزًا أمام فيروس وصف بأنه ضعيف.
وهنا تتجلى قدرة الله؛ إذ يقول تعالى: “وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا”، فعلينا أن نعترف ونقر بأن الله قدَّر هذا البلاء ليوقظنا من غفلتنا، كما فعل سبحانه من قبل بأقوام نوح وفرعون وعاد وثمود ولوط وغيرهم كثير، ثم الملاريا والكوليرا والطاعون وانفلوانزا الخنازير، وانفلوانزا الطيور، وفيروس c وخلافه، فإذا كان الوباء قد حل بمن قبلنا فمات من مات، وعاش من عاش، فاطمئنوا يا أولى الألباب، فالحياة ستسير، وفرج الله قريب.
سيكون هذا الوباء- بمشيئة الله -من الماضي كمن سبقه، لكن علينا الخروج منه بموعظة وإقرار واعتراف بقدرة الله الذي نتوسل إليه الآن بأن يخرجنا وذوينا منه على خير؛ بالدعاء والتضرع والاستغفار، وأن نتبع الأسباب، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:” نفر من قدر الله إلى قدر الله”، وأن نأخذ الأمر بجدية لا بالسخرية والاستهتار، فكما قال ابن خلدون: “إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أنَّ الفقر قد أقبع عليهم، وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمن يُساق للموت وهو مخمور”.
علينا أن نتذكر دائمًا قول الحق تبارك وتعالى:” فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ” وقوله تعالى: ” فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.
وإذا كان العالم اليوم يقول إنَّ الحياة ما بعد كورونا ستتغير عما كانت قبله، فنتمنى أن تتغير للأفضل، ولنعترف بضعفنا ونعود إلى الله بحق، بأن نجدد توبتنا إليه، فها نحن اليوم أمام اختبار بسيط لا يعلم أحد ما كان سينجو منه أم لا! وكأنها “بروفة” للموت!
نسأل الله- تعالى- أن ينجينا من هذا الوباء، الذي لا يستعصي عليه شيء، فدخل القصور قبل الجحور، وأصاب المسؤولين قبل غيرهم، ولا يفرق بين غنى وفقير، ولا بين رئيس ووزير وغفير، ولا بين مسلم ومسيحي ويهودي، فالكل عاجز، والكل فى حالة ترقب، وليس أمام الجميع سوى اتباع التعليمات الاحترازية والإرشادات، ولا نجري وراء الشائعات.
نسأل الله – عزَّ وجلَّ- أن يعيدنا إلى صراطه المستقيم، وأن يحسن ختامنا، ونعوذ به من البَرَص والجُذام والجنون وسيء الأسقام، علينا العودة إلى ميراث النبي صلى الله عليه وسلم في هذه النوازل؛ إذ كان هو أول من أمر بالحظر في قوله: ” وَإِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدٍ وَلَسْت فِيهِ، فَلَا تَقْدَمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كُنْت فِيهِ، فَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ”.
وعَن عبد الله بن عمر قَالَ أقبل علينا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: “يَا معشر الْمُهَاجِرين خمسٌ إِذا ابتليتم بِهن وَأَعُوذ بِاللَّه أَن تدركوهن لم تظهر الْفَاحِشَة فِي قوم قطّ حَتَّى يعلنوا بهَا إِلَّا فَشَا فيهم الطَّاعُون والأوجاع الَّتِي لم تكن مَضَت فِي أسلافهم الَّذين مضوا وَلم ينقصوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَان إِلَّا أخذُوا بِالسِّنِينَ وَشدَّة المئونة وجور السُّلْطَان عَلَيْهِم وَلم يمنعوا زَكَاة أَمْوَالهم إِلَّا منعُوا الْقطر من السَّمَاء وَلَوْلَا الْبَهَائِم لم يمطروا وَلم ينقضوا عهد الله وعهد رَسُوله إِلَّا سلط الله عَلَيْهِم عدوا من غَيرهم فَأخذُوا بعض مَا فِي أَيْديهم وَمَا لم تحكم أئمتهم بِكِتَاب الله ويتخيروا مِمَّا أنزل الله إِلَّا جعل الله بأسهم بَينهم”.
وها نحن قد أدركنا وفعلنا الخصال الخمس، فعلينا ألا ننسى ما مضى بأسلافنا، ولنتقرب إلى الله بصدق، ونوقن أننا في امتحان بهذا الوباء، ولنسأل الله العافية والسلامة، موقنين بأنه سيرفع عنا البلاء، فهو سبحانه من قال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”؛ أي يُسران مع عسر واحد، فاطمئنوا وأبشروا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.